العِلم ما يعلِّم الذوق
تشير هذه العبارة إلى حقيقة يغفل عنها كثيرون، ويمكن تلخيصها في مشهد اجتماعي مألوف: شخص متعلّم، يحمل أعلى الشهادات، يقف بجوار العريس في أحد الأعراس، يطيل التهاني والتقبيل والتصوير، غير مكترث بعشرات - وربما مئات - من الناس الذين ينتظرون دورهم للسلام. ما الذي يدفع هذا المتعلّم، خرّيج أرقى الجامعات، إلى هذا السلوك؟ هل هو الجهل؟ بالتأكيد لا. إنه ببساطة انعدام الذوق. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل العِلم يعلّم الذوق والأدب؟ والجواب، دون تردّد: لا. فالأخلاق علم مستقل، كما أن الفقه علم مستقل. يعرف معظم الناس أن السرقة محرّمة، لكن كم منهم يدرك أن سرقة أوقات الناس، بتجاوز الطوابير أو إطالة الوقوف للمجاملات المبالغ فيها، قد تكون محل اشكال شرعي إذا كان فيها ايذاء لصاحب المناسبة؟ ويعلم الناس أن من أتلف مال غيره شغلت ذمّته، لكن القليل فقط ينتبه إلى وجود مظالم معنوية؛ حين تُرهق الآخرين بالوقوف، والانتظار، والمزاح، بينما هم متعبون، معطَّلون عن مصالحهم، ولديهم التزامات تنتظرهم. فالمشكلة ليست في التصوير ذاته، بل في غياب الذوق الذي يحوّل الفرح إلى أذى، والمجاملة إلى ظلم.
من المهم أن يعلّم الأب ابنه الصلاة وبقية الواجبات في سن مبكرة، لكن من المهم كذلك أن يعلّمه الأدب. أن يعلّمه كيف يقف في الطابور، وألا يرمي القمامة من نافذة السيارة، وأن يحترم من هو أكبر منه. أن تُزرع فيه هذه السلوكيات منذ الصغر، فتنمو معه وتتحوّل مع الزمن إلى عادات راسخة. فالشخص الذي يتجاوز الطوابير، أو يعطّل الناس بلا اكتراث، أو يحضر وليمة عرس دون دعوة، هو في الغالب شخص مظلوم؛ مظلوم لأنه لم يُعلَّم الآداب في صغره. قد يكون متفوّقًا في دراسته، خرّيج أفضل الجامعات، لكنه يفتقر إلى الذوق. وفي المقابل، كم من إنسان بسيط التعليم، لكنه يحترم النظام، ويقدّر وقت الناس، ولا يسمح لنفسه بتجاوز الأدب. الأخلاق في حقيقتها عادات حسنة تُغرس في النفس، ويُداوم عليها الإنسان حتى تصبح صفات ذاتية غير متكلّفة؛ يعمل الصواب دون شعور أو عناء، لأنه اعتاده حتى صار جزءًا منه. وهذا هو المطلوب إن أردنا أن نصنع جيلًا يعرف النظام، ويحترم الناس، ولا يحوّل أفراح الآخرين إلى مشقّة وتعطيل.
يعاقب نظام «ساهر» متجاوز السرعة وقاطع الإشارة، لكن يبقى السؤال: من يحاسب من يتجاوز الطوابير في الأعراس؟ ومن يردع من يبالغ في المجاملات على حساب مئات المنتظرين؟ لم يكن التعويل يومًا على العبارات الوعظية كافيًا؛ فقول: «لا تُسرِع فالموت أسرع» لم يمنع المتهورين من السرعة. ولذلك لست متفائلًا كثيرًا بأن المقالات وحدها قادرة على إيقاف هذه السلوكيات. وأخشى أننا، ما لم ننتقل من التمنّي إلى الفعل، عبر الزجر الاجتماعي، أو الاحتجاج، أو - على الأقل - إبداء التذمّر، مع حفظ مكانة كبار السن، وتوقير أهل العلم والفضل ممن جرت العادة بتقديمهم، سنحتاج إلى زمن طويل قبل أن ندرك حجم هذا الخلل ونتجاوزه.
















