شهر شعبان جسر المحبة والاستعداد للضيافة الإلهية
يُعدّ شهر شعبان من الأشهر العظيمة المنزلة في الوجدان الإسلامي، وهو شهرٌ اختصّه النبي محمد ﷺ بنفسه فقال فيه: «شعبان شهري»، فجعل منه ميدانًا للمحبّة والاقتداء وتهيئة القلوب للضيافة الإلهية الكبرى في شهر رمضان المبارك، وقد كان ﷺ يولي هذا الشهر عناية خاصة، فيكثر من صيامه ويصل صيامه برمضان، تأكيدًا لمكانته، ودعوةً عملية للأمة إلى اغتنامه.
وقد سار أئمة أهل البيت
على هذا النهج، فكانوا يعظّمون شعبان ويحضّون على إحيائه بالعبادة والطاعة، روي عن الإمام الصادق
أن الإمام زين العابدين
كان إذا دخل شعبان جمع أصحابه، وذكّرهم بعظمة هذا الشهر وكونه شهر النبي، كما ورد عن أمير المؤمنين
، أنه لم يفُته صيام شعبان منذ سمع منادي رسول الله ﷺ ينادي في المدينة: ”ألا إن شعبان شهري فرحم الله من أعانني على شهري.“
وتكشف الروايات أن صيام شعبان ليس عبادة اعتيادية بل عملٌ عظيم الأثر في تطهير الصحيفة ومحو الذنوب، حتى ورد أن من صامه حبًا لرسول الله وتقربًا إلى الله أحبه الله، وقرّبه إلى كرامته يوم القيامة، وأوجب له الجنة، بل بلغ من سعة الرحمة الإلهية في هذا الشهر أن يغفر الله فيه الذنوب العظام مع صدق التوبة وحضور القلب.
غير أن روح شعبان لا تختزل في الصيام وحده بل تتجلّى في منظومة متكاملة من الأعمال العامة التي تُؤدّى طوال الشهر، وتُسهم في تهذيب النفس وتعميق الصلة بالله، يأتي في مقدمتها الإكثار من الاستغفار فقد ورد ”أن من استغفر في كل يوم من شعبان سبعين مرة، كان كمن استغفر الله سبعين ألف مرة في غيره من الشهور“، لما لهذا الشهر من خصوصية في القبول ومضاعفة الأجر.
كما حثّت الروايات على الصدقة في شعبان ولو بالقليل لما لها من أثر عظيم في الوقاية من النار وتنمية الأجر حتى تُربّى لصاحبها يوم القيامة، وتكون في عظمها كجبل أحد، ومن الأعمال الجليلة فيه الإكثار من ذكر التوحيد الخالص بقول: ”لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره المشركون“، وهو ذكر عظيم كُتب لمن أتى به أجر عبادة ألف سنة.
ومن الأعمال المؤكدة كذلك الصلاة في كل خميس من شعبان ركعتين مع الإكثار من قراءة سورة التوحيد والصلاة على النبي وآله، لما في ذلك من قضاء الحوائج واستجابة الدعاء، وقد ورد أن السماوات تتزيّن في كل خميس من هذا الشهر، وتدعو الملائكة لصائميه بالقبول، كما استُحب صيام يومي الاثنين والخميس لما فيهما من قضاء حوائج الدنيا والآخرة.
ويزداد شهر شعبان إشراقًا بعملٍ جليل يتمثّل في الصلاة المأثورة عن الإمام زين العابدين
التي تُقرأ عند كل زوال من أيام الشهر وفي ليلة النصف منه، وهي صلوات ذات مضامين عالية تُبرز مقام النبي وآله
بوصفهم شجرة النبوة وموضع الرسالة ومعدن العلم وأهل بيت الوحي والفلك الجاري في لجج الفتن والكهف الحصين وملجأ المضطرين وعصمة المعتصمين، وفي هذه الصلوات يسأل الداعي أن يُعمَر قلبه بطاعة الله وأن يُجنَّب الخزي بالمعصية وأن يُرزق مواساة المحتاجين شكرًا للنعمة، وعدلًا في السلوك ويقرّ بأن هذا الشهر هو شهر النبي الذي كان رسول الله ﷺ يُعظّمه بالصيام والقيام خضوعًا لله وإجلالًا لمقامه، ويتضرع إلى الله أن يُعينه على الاقتداء بسنة نبيه ونيل شفاعته، وأن يجعل شعبان له طريقًا ممهّدًا إلى رضوانه ومغفرته.
ومن أعظم ما اختصّ به هذا الشهر أيضًا المناجاة الشعبانية المشهورة المنسوبة إلى أمير المؤمنين والأئمة من ولده
، والتي كانوا يواظبون عليها في هذا الشهر، لما تحمله من روح الانكسار الصادق والخضوع الكامل بين يدي الله، فهي مناجاة عبدٍ هاربٍ إلى مولاه، واقفٍ بين يديه مستكينًا متضرعًا راجيًا لما عنده عالمًا، بأن الله مطّلع على سريرته، عليم بحاجته لا تخفى عليه حركاته ولا سكناته، ولا ما يُضمره في قلبه أو ينطق به لسانه، وهي مدرسة تربوية عميقة تعلّم الإنسان كيف يخاطب ربّه بصدق وحضور قلب وشعور كامل بالفقر والاحتياج إلى الله.
ويُتوَّج شهر شعبان بالإكثار من الصلاة على محمد وآله، وهي العبادة الجامعة التي تجمع بين الذكر والمحبة والاقتداء، وتجعل القلب أكثر صفاءً واستعدادًا للدخول في شهر رمضان بروح واعية ونية صادقة.
وهكذا يتجلّى شهر شعبان لا بوصفه مرحلة زمنية عابرة بين رجب ورمضان، بل بوصفه جسرًا روحيًا عميقًا تُبنى فيه القلوب وتُهذّب النفوس وتتهيأ الأرواح للضيافة الإلهية الكبرى، ومن أحسن اغتنامه حبًا واقتداءً وعملًا صادقًا، دخل رمضان وهو أقرب إلى الله، وأصفى قلبًا وأثبت قدمًا على طريق العبودية والرضوان.
















