حين تتصارع الاستراتيجيات
يحدّثني أحد أصدقائي أنّ ابنه، ما إن قارب البلوغ، حتى سأله: «أبي، كيف تُصلّى صلاةُ الليل؟»، يقول صديقي.. كدتُ أطير فرحًا بهذا السؤال؛ إذ رأيتُه علامةً على حُسن التربية في زمنٍ طغت فيه ثقافة الآيباد والتقنيات السريعة على الاهتمام بالأمور الروحانية إلا ما رحم ربي، فقلتُ له مباشرة: «صلاةُ الليل تُشبه صلاةَ المغرب: ركعتا الشفع وركعةُ الوتر، وتقرأ فيها ما تيسّر لك».
وأثناء حديثي قاطعتْني أمّه قائلةً: «ما هذا الكلام؟! إنّ صلاةَ الليل، كما وردتْ صفتُها في مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي [1] ، ثماني ركعاتٍ يُسلَّم بعد كل ركعتين، مع سُوَرٍ مخصوصةٍ لكل ركعتين، وأدعيةٍ مخصوصةٍ لكل قنوت، ثم الدعاء للمؤمنين والاستغفار، فلماذا تعلّم ابنك وصفًا مغلوطًا؟».
يقول صاحبي.. شعرتُ بشيءٍ من الحنق؛ إذ اضطررتُ إلى كشف استراتيجيتي، وهي أن أُحبّبه أولًا في صلاة الليل، ثم أحفّزه تدريجيًا على الزيادة في العمل، ارتفع صوتُنا في حضرة الولد، وكانت النتيجة أنّه لم يُصلِّ لا وفق استراتيجيتي التدريجية، ولا وفقَ استراتيجية والدته التي تطلب الكمال الفوري.
ضحكتُ من أعماق قلبي من مآل الأمر، لكنّ في ذهني توهّجت أفكارٌ كثيرة متعلّقة بالقصة:
أولًا: بعضُ الأمور نُحسِبها فقط بين زاويتَي الصواب والخطأ، لكن لعل بعضهم يقرأها من زاويته وخلفيّته الفكرية؛ كمن ينظر إلى رقم «6» بالإنجليزية من جهةٍ فيراه «6»، ومن الجهة المقابلة يراه آخر «9»، هذا فضلًا عن أنّ بعض القضايا قد تقع بين زاويتي «صحيح» و«أصحّ منه».

ثانيًا: عقلُ الرجل يختلف عن عقلِ المرأة في وزن كثيرٍ من الأمور؛ لذلك أتصوّر - والله أعلم - أنّ الحديث الوارد عن النبيّ الأعظم ﷺ «المؤمن يأكل بشهوةِ أهله، والمنافقُ يأكل أهلَه بشهوته» [2] ، ليس موضوعُه الأكلَ والطبخَ فحسب، بل لعل المسألة أعمق، فقد يُفهم من الحديث أنّك - يا ربَّ البيت وعمودَ الأسرة - ينبغي أن تتخلّى عن استبدادك حتى في أبسط التفاصيل، فتعرف متى تُقَدِّمُ تنازلًا تكتيكيًا في سبيل هدفٍ استراتيجي، وهنا تبرز حكمة أمير المؤمنين
«آلةُ الرئاسةِ سعةُ الصدر» [3] ، فالقائد في بيته لا ينتصر بالصوت الأعلى، بل بسعة صدره.
ثالثًا: كثيرٌ من الخلافات التربوية لا تنشأ من سوء النيّة، بل من اختلاف تصوّر النتيجة، فالأم تريد ولدًا كاملًا من اللحظة الأولى، والأب يريد ولدًا يسير خطوةً خطوة كلاهما يريد الخير، لكنّ أحدهما يرى الطريق سلّمًا، والآخر يراه مصعدًا.. والمشكلة ليست في الهدف، بل في سرعة الوصول إليه، التربية — في جوهرها — ليست سباقًا، بل رحلة.
رابعًا: الطفل لا يتعلّم من الكلام بقدر ما يتعلّم من المشهد، حين يرى أباه وأمّه يختلفان أمامه على أمرٍ ديني، قد يظنّ — دون وعي — أنّ الدين نفسه ساحةُ صراع، لا ساحةُ سكينة، وربما كانت خسارة الولد لصلاة الليل نتيجةً طبيعية لارتفاع الأصوات، لا لخطأ في الشرح، فالتربية ليست ما نقوله، بل ما نكونه حين نقوله.
خامسًا: في كل بيتٍ توجد «استراتيجية» معلنة، وأخرى صامتة، الأب خطّته التدرّج، والأم خطّتها الكمال، لكنّ الحياة — بخفّةٍ ساخرة — تُفشل الخطتين معًا لتقول.. ليس المهم أن تنتصر خطتك، بل أن ينجح ولدك، وربما كان الأجدر أن يتفقا على قاعدة ذهبية.. «التربية مشروعٌ مشترك، لا معركةُ نفوذ» فحين تتوحّد البوصلة، يهدأ الطريق، ويستقيم الولد من تلقاء نفسه.
سادسًا: التربية ليست مجرّد تعليم «كيف يصلّي»، بل تعليم «كيف يفكّر»، حين يختلف الأب والأم أمام الطفل، فهو لا يتلقّى المعلومة فحسب، بل يتلقّى منهج التعامل مع الاختلاف، فإذا رأى اختلافًا هادئًا، تعلّم أن الخلاف طبيعي، وإذا رأى صراعًا، ظنّ أن الحقيقة تُنتزع بالصوت الأعلى، وربما كان امتناعه عن صلاة الليل احتجاجًا صامتًا على الطريقة، لا على الفكرة.
سابعًا: في كل بيتٍ توجد «لحظة ضائعة» بين الوالدين، لحظة لو صمت فيها أحدهما قليلًا، أو أخّر اعتراضه دقيقة واحدة، لكان الأثر مختلفًا تمامًا، الأم كانت تستطيع أن تُؤجّل تصحيحها إلى ما بعد خروج الولد، والأب كان يستطيع أن يشرح استراتيجيته بهدوء، لكنّ العجلة — في التربية — تُفسد ما تبنيه النيّات الطيبة، وكثير من الخلافات لا تحتاج إلى حلّ، بل تحتاج إلى توقيتٍ أفضل.
ثامنًا: الطفل لا يبحث عن «الكمال» في العبادة، بل عن «القدوة» ولو رأى أباه يصلّي صلاة الليل بهدوء، دون ضجيج ولا استعراض، لربما اقترب منها من تلقاء نفسه، فالتربية بالقدوة ليست طريقة من طرق التربية، بل هي التربية نفسها وما لم يرَ الولدُ صلاة الليل في سلوك والديه، فلن تغريه تفاصيلها في الكتب.
ختامًا أقول.. خلافٌ بسيطٌ على أمرٍ أبسط انتهى إلى هذا التشعّب من الأفكار، فكيف بخلافاتنا العقائدية والفقهية والمصلحية؟ فلعمري إن كانت هذه الصغيرة تُربكنا، فالكبيرة أولى بأن نتعامل معها بسعة صدر وروحٍ أرحب، فبيوتنا هي ساحة الاختبار الأولى، ومنها يبدأ كل إصلاح، وإليها تعود كل الحكمة.
















