آخر تحديث: 24 / 1 / 2026م - 7:47 م

الوقت بين الكَمّ والقيمة

لا بد من التمييز والتفريق بين الجانب الكمي والقيمي لعامل الوقت، حيث أن العامل الكمي هو الجانب المادي المحسوس لتقسيم الأيام والدقائق، والتي لا تختلف من هذه الجهة بين جميع الناس في مرورها عليهم وانطواء سجل الأعمار المحددة لكل واحد منهم، بينما العامل القيمي يشير إلى مقدار الاستفادة من الفرص المتاحة داخل هذا الزمن وتحويلها إلى أهداف ومنجزات يُراد تحقيقها على أرض الواقع، فتكوين البناء والزاد المعرفي والثقافي من خلال الاطلاع والقراءة والمشاركة في الحوارات المثمرة «العقل الجمعي»، يعد منجزات تنويرية لفكره وقدرته على فهم دوره الوظيفي في الحياة وبلورة أهدافه وطموحاته في الحياة، كما أن اتخاذ القرارات المناسبة لمختلف المواقف والظروف والأزمات يعتمد بشكل كبير على مدركاته العقلية ونظره للاحتمالات والآثار المترتبة على كل فكرة ينسجها وخطوة يقدم عليها.

وكذلك في مسير القرب من الله تعالى وتحقيق المنجزات الروحية والإيمانية، واكتساب تلك الومضات النورانية والمضامين العالية للعبادات والمناجاة، فإنه يسلك طريقا يتقدم فيه من مرحلة إلى أخرى مع تقادم الأيام، وهناك من يُصاب بالانتكاسة الروحية وظلمة القلب وخلوه من معاني الطمأنينة والأنس بذكر الله تعالى، ويا حسرة على العباد إذ يؤتى أحدهم عمرا مديدا من الناحية الكمية الزمانية، ولكن لا تجد له قيمة بسبب خلوه من منجزات صناعة النفس روحيا واكتساب المقامات الكمالية والنورانية.

وتهذيب النفس وتخليتها من شوائب الرذائل الأخلاقية وبلوغ الدرجات العليا في هذا الجانب، تجد العامل الزمني ميدانا لتحقيقه بالانتقال من مرحلة إلى مرحلة متقدمة، وهناك من يسوء خلقه ويحسبه ملازما له كظلّه لا يفارقه ولا يمكن تحقيق نقلة تغييرية نحو الضفة الإيجابية، والحقيقة أن اللا مبالاة كانت حاكما على تبلده الأخلاقي وتميزه بالصعوبة والانفعالية، أو روح العناد والتكبر سارت به نحو حتف أنفه أخلاقيا إذ لم يفهم مضامين الدين الحنيف العبادية وغيرها، القائمة على روح الفضيلة والتعامل الحسن وصناعة المقام العالي الحقيقي من خلال التواضع والصدق.

والمنجزات المعرفية ميدان آخر يُفرّق فيه بين الجانب الكمي والقيمي لعامل الزمن، حيث يعمل البعض جاهدا على ملء الفراغ العقلي عنده بتكوين الزاد المعرفي والاطلاع والقراءة، بينما هناك من لا يرى جمالية العقل الواعي ولا يهتم ببناء قدراته الفكرية، فتمر عليه السنون المتطاولة دون تقدّم يُذكر في الساحة الروحية أو الأخلاقية أو المعرفية، بينما يسابق بعضهم الريح ويشمّر عن ساعديه نحو تحقيق ذاته في جميع جوانبها وتنمية قدراته وإمكانياته دون توانٍ أو تكاسل، فالقيمة العالية لأي مقطوعة زمانية تتحقق بما ينجزه ويقدّمه الإنسان في ساحات العمل والتميز المختلفة، فحريّ بنا أن نفهم عامل الوقت وأهميته لننطلق في ميادين الحياة وننعم باغتنام واقتناص الفرص.