آخر تحديث: 24 / 1 / 2026م - 7:47 م

أقلام تتنفّس

يتصوّر البعض أن الإمساك بالقلم ورصّ الحروف في كلمات معبّرة ومقصودة في مضامينها ومراميها، هي مجرد ترف فكري يمارس صاحبه تقطيعا لأوقات فراغه بما يتناسب مع مهارة يتقنها لا أقل ولا أكثر، والحقيقة أن الكتابة تعبير وجودي عما يحمله الفرد من أفكار واتجاهات وسلوكيات، يعمل على تثبيتها والتوجيه نحوها فيما يكتبه، فالكلمات - وإن كانت في بعض الأحيان - تنفيسية وخروج من دوامة الألم والقهر والمعاناة، ولكنها تعد مخرجا وخريطة طريق للخروج من تموجات الهموم والظفر بلحظات هدوء وراحة نفسية بعدها، فحين يتفجّر الإنسان غيضا وقهرا لا يجد أمامه من متنفّس يهدئ من روعه والبوح بما يعتصر به ويؤلمه، كالقلم الناسج لكلمات تمثل ملاذه الأخير من الاكتواء بنار الصعوبات والأزمات، إن تحويل المعاناة إلى كلمات يمنحها شكلا قابلا للفهم والاحتواء وإعادة رسم خارطة طريق لاستعادة التوازن والضبط الذاتي، ويخفّف من حدّتها ولسعها لأن الألم حين يُكتب يصبح مشتركا لا حبيس الصدر، يهزّ كيان صاحبه ويسقطه على أرض التشاؤم وصولا إلى الاندثار واليأس.

ولذا فإن تحريك القلم بالكتابة يعدّ لونا من ألوان العلاج الذاتي والتنفيس عما يعتمل في النفس من أفكار مشوشة ومشاعر ملتهبة، حيث يمارس الإنسان عبرها مصالحة مع ذاته تقوده نحو وضع الأمور في مسارها دون تضخيم، ويعيد ترتيب فوضى المشاعر التي تقود نحو تكبيل النفس بأغلال الأوهام والصور المشوشة،

القلم في هذا السياق يمارس دورا إنسانيا راقيا إذ يُرمّم ما تعجز عنه المواساة المباشرة أحيانا، ويبلسم جراحا قد لا تندمل بسبب اجترار الآلام واستحضار صور المآسي.

وعلى الضفة الأخرى هناك من الكلمات ما يحمل قابلية الإيذاء وجرح الآخرين، فالكلمة المكتوبة تملك قوّة مضاعفة لأنّها لا تزول بزوال لحظتها بل تبقى قابلة للاستدعاء وإعادة الإيذاء مع كل قراءة، فالكلمة الجارحة قد تُحدث جروحا نفسية أعمق وأطول أمدا، وهنا يطرح ما نسميه الحرية الكتابية المقيدة بالقيم الأخلاقية، والتي تضع خطا أحمر أمام الإيذاء اللاحق بالآخرين، فالقلم حين يُستخدم للازدراء أو التشهير أو التحطيم المعنوي يتحوّل إلى أداة عنف رمزي لا تقلّ خطورته عن العنف المادي.

ويعالج القلم الواعي الكثير من المشاكل الأسرية والاجتماعية ويقدّم معالجات وحلولا تسهم في الانفراجة وتجاوز الأزمات، فهناك الكثير ممن لم يجدوا في محيطهم الاجتماعي من يفهمهم أو يحتضن آلامهم ويسهم في تجاوزهم وتخطيهم لعراقيل حجبتهم عن آمالهم وطموحاتهم، ففي مثل هذه الحالات يصبح القلم صديقا صامتا لا يُقاطع ولا يُصدر أحكاما.

وتمثّل الكتابة شكلا من أشكال إنقاذ الذات حيث يعلن الإنسان عبرها بما يشعر به ويتألّم منه، وهي بذلك تمنحه معنى للاستمرار وتدفق الدماء في عروق فكره وإرادته حتى في أقسى الظروف، فالكلمة الطيّبة قادرة على أن ترسم بسمة وتبعث أملا وتُعيد إنسانا إلى الحياة من جديد، فالكتابة ممارسة أخلاقيّة تتطلّب وعيا بالنتائج واستحضارا للإنسان في الآخر، فالقلم أمانة والكلمة مسؤولية وما يُدوَّن اليوم قد يكون شاهدا على إنسانيّتنا أو افتقارنا إليها.