آخر تحديث: 24 / 1 / 2026م - 7:47 م

اعتياد الأخطاء هدوء مريب أم مأساة أخلاقية؟

هاشم الصاخن *

كنَّا سابقًا، حين نسمع عن خطأٍ في المجتمع، نستنكره بشدَّة، ونتعجب من وقوعه، ونشعر أنَّ وجوده أمر شاذ لا يُقبل. كان الخطأ يوقظ فينا الرفض، ويثير التَّساؤل، ويُقابل باستغراب لا صمت.

وحين يكون الخطأ شائعًا في المجتمع، لا يعود خطأً في نظر كثيرين؛ بل يتحوَّل إلى سلوك معتاد، يُمارس بلا حرج، ويُدافع عنه أحيانًا. وحين تنتشر بعض المحرَّمات، تصبح مألوفة في المشهد العام، وكأنَّ الاعتياد يمنحها شرعيَّة غير معلنة.

وحين يتفشَّى النَّقص في الجمال الأخلاقي، لا يختفي بالضرورة، وقد يرتدي قناعًا غريبًا، يظهر في صور مقبولة ظاهرًا، فيما يخفي في باطنه خللًا لا يُرى بسهولة.

هذه السلوكيات لا تعيش؛ لأنَّها صحيحة؛ وإنَّما لأنَّها متقنَّة التَّخفي؛ تتقن ارتداء قناع الصَّواب، بينما حقيقتها أقنعة مزيفة. والسُّؤال هنا ليس عن وجود هذه الأقنعة، بل: هل أصبحت مألوفة إلى الحدِّ الذي نتعايش معها؟

وهل وصلنا إلى مرحلة نرى فيها هذا التَّعايش هو الصَّواب، وكل من يرفضه يُصنَّف خطأ؟

هذه السلوكيات والأخطاء لا تصدر غالبًا من غرباء عنا؛ بل من قريبين منَّا… وربما منَّا نحن. نراها، نعرف حقيقتها، ونتعايش معها حتَّى تستقر في وجداننا وكأنَّها جزء من المشهد اليومي.

مصلي يخرج للتو من المسجد، ثمَّ يكذب بلا تردد ولا شعور بالذنب.

بائع مواد غذائية يقسم لك أيمانًا مغلظة أنَّ سلعته طازجة، وهو يعلم يقينا أنَّها غير ذلك.

مقاول بناء يمارس الكذب حتَّى النخاع، يغش، يماطل، ثمَّ ينام مرتاح الضَّمير.

مدير يظلم، يخطط، ويزرع الألغام لطرد موظف يعتمد على هذا العمل في تأمين حياة أسرته، ثمَّ تراه بعد ذلك متوجها إلى فريضة الحج، وكأنَّ ما فعله لم يكن.

مستأجر يؤخر الإيجار بلا عذر حقيقي، ترى أثر الرَّفاهية في نمط حياته، بينما يتعامل مع حقِّ غيره وكأنَّه تفصيل يمكن تأجيله.

المفارقة إنَّ هذه المشاهد لم تعد تثير دهشتنا، ولا توقظ فينا ذلك الرفض الأوَّل. نراها، نمرُّ بها، ثمَّ نمضي، وكأنَّ الأمر لا يعنينا. لا لأننا نراها صحيحة، ولكن لأننا اعتدنا وجودها.

ومع تكرار المشهد، يتحوَّل الاستغراب إلى صمت، والصمت إلى قبول غير معلن، حتَّى يصبح الخطأ جزءًا من الواقع الذي نتأقلم معه؛ لأننا ألفناه.

وهنا تتشكَّل أخطر الأقنعة…

قناع الاعتياد عليه، وليس قناع السلوك نفسه.

فما هو دورنا إذن؟

هل نصمت، حتَّى تستمر الحياة بلا مشاكل مع الآخرين، خاصَّة أولئك القريبين منَّا؟

هل نختار الصمت خوفًا من خسارتهم، أو تجنبًا لزعلهم، أو هروبًا من إحراج المواجهة؟

أم نحاول النُّصح، ونحن نعلم أنَّ النصيحة قد تُقابل بالاعتراض، وقد تفتح باب صدام لا نرغب فيه؟

فنؤثر السلامة، ونقنع أنفسنا بأنَّ الصمت أهون، وأن الاعتياد أرحم من المواجهة.

لكن السؤال الأعمق يبقى:

إلى متى يستمر هذا المألوف معنا؟

وهل سنكتشف في النهاية أننا حافظنا على علاقات هادئة، لكننا خسرنا في المقابل حياة حقيقيَّة، فقدت معناها، وتبلّد فيها الإحساس بالصح والخطأ؟

الصمت في مثل هذه المواقف قد يبدو حكمة، لكنه مع التكرار يتحوَّل إلى اعتياد. فنحن لا نوافق على الخطأ صراحة، لكننا نمنحه مساحة ليستمر. ومع الوقت، لا يعود السؤال: لماذا يفعلون ذلك؟ بل: لماذا لم نعد ننكره كما كنَّا؟

الخطورة الحقيقيَّة لا تكمن في وجود الخطأ؛ بل في اعتيادنا عليه. فحين نصمت طويلًا، لا نحافظ على الهدوء بقدر ما ندرِّب أنفسنا على التعايش مع ما نعرف أنَّه غير صحيح. ومع كلِّ صمت جديد، يتآكل الحس الأخلاقي قليلًا، حتَّى يصبح الاعتراض عبئًا، والمواجهة استثناء، والاعتياد هو القاعدة.

الأقنعة لا تسقط وحدها… نحن من نمنحها الوقت، بالصمت، حتى تصبح وجوهًا مألوفة.

سيهات