آخر تحديث: 24 / 1 / 2026م - 7:47 م

المطاعم وجدارة الاستمرار

المهندس أمير الصالح *

نُشر خبر في معظم نشرات الأخبار الاقتصادية العالمية الغربية للأسبوع الماضي، مفاده انهيار سبعة آلاف «7000» مطعم في عموم دولة كندا في عام 2025، ويرجح الخبراء الاقتصاديون طبقًا للمصادر ذاتها ودراسات أكاديمية من جامعة دالهاوسي «Dalhousie University» تلاشي أربعة آلاف «4000» مطعم آخر في العام الجاري 2026 م [1] . تحدث عدد من المحللين في الصحف والتلفاز، وضجت التعليقات بمواقع التواصل الاجتماعي مثل ”إكس“ و”تيك توك“ لتحليل أبعاد ذلك النبأ وانعكاساته على الاستثمار وصغار المستثمرين والأمن الوظيفي وحواضن الأعمال وفرص العمل للمهاجرين الجدد.

شخصيًا لفت نظري تعليق في تطبيق ”إكس“، مفاده أنه إلى جانب ضريبة الدخل العالية في كندا وضريبة المشتريات، وغيرها من الضرائب، وجفاف السيولة، وهبوط جودة طعم الأطباق ببعض المطاعم، وسرعة تغيير الهِبات و”الترندات“ في الطلب على أصناف الطعام؛ أضحى عدد ليس بقليلٍ من المستهلكين يشعر بأنه مختنق من تصاعد المصاريف في نطاقات عدة شملت الطعام. حتى أخذ البعض في مناقشة ثقافة البقشيش والمطالبة بمراجعة تلك الثقافة في مطاعم كندا وأمريكا وأوروبا؛ لأن الأدنى %12، والأقصى %18-%22 من قيمة الفاتورة الإجمالية للطعام.

ظواهر سلوكية تحتاج إلى مراجعات

في تقليد أعمى لمظاهر الإسراف والتبذير والتصنيف الأرستقراطي الطبقي، تسربت عبر استنساخ لقطات من بعض الأفلام الرومانسية العالمية، ومقاطع من مسلسلات حياة الأثرياء، وقصص الحب، إلى جانب وجود حديثي نعمة ممن يحملون ثقافات متنوعة، والسفر للبعض لدول استهلاكية حتى النخاع، حيث الفنادق ذات النجوم الخمسة والمطاعم الباذخة؛ تسربت ظاهرة لم تكن تُعرف في مجتمعات محافظة أو تحمل عنفوانًا كبيرًا لمعاني الكرامة وعزة النفس والإباء، وهي ظاهرة الإسراف والتبذير والمفاخرة بأنماط مختلفة، منها البقشيش العالي جدًّا «tips».

نعم، من الجيد أن يُكرم الإنسان نفسه وأهل بيته وأصدقاءه الأوفياء، ويدلل الإنسان ”كرشه“ بين الحين والآخر، ويستلذ بتناول وجبته في أماكن محترمة، ولكن من المهم ألا يجعل طلب أصناف الطعام الغريبة أو الأطباق كبيرة الحجم جدًّا، وإعطاء البقشيش العالي، بابًا للمفاخرة أو إهانة ”النادل“ عبر التصوير والنشر في وسائل التواصل الاجتماعي.

وليس من العدل أن يكون راتب النادل من رواد المطعم، لا من صاحب المطعم، أو الدفع له براتب منخفض جدًّا. وهنا برزت ظاهرة جديدة ومؤلمة ومكلفة، وهي ظاهرة شبه إخضاع أو شبه إجبار للزبائن على دفع بقشيش عالٍ حياءً أو خجلًا أو غمزًا ولمزًا أو تذللًا أو استجداءً في بعض الأحيان.

وامتدت الظاهرة المشؤومة ”البقشيش“ لتطال أي خدمة يقدمها آخرون، مثل حمل حقائب النزيل بالفندق، وخدمة توصيل الطلبات للمنزل، وخدمة ”أوبر“ لتوصيل الركاب، وخدمة الحلاقة للعريس، وخدمة تزيين العروس، وخدمة التمريض المنزلي لكبار السن، وخدمة محلات تقطيع اللحوم، وخدمة تنظيف الحمامات العامة ببعض الدول، وحتى خدمة تنظيف صالات «Lounges» بعض المطارات في بعض الدول… إلخ.

بين عزوف وترشيد ملحوظ في طلب الطعام من المطاعم والمطابخ والمقاهي

مع موجات التضخم لأسعار السلع، وانتكاسات أسواق العمل، وانخفاض أو ثبات المداخيل لقطاع عريض من الناس، وصعود نسب الضرائب، وتذبذب سعر صرف العملات ببعض البلدان، وكرد فعل، أخذ الكثير من الناس يحللون مصاريفهم ويراجعون سلوكهم الاستهلاكي.

وعليه أحجم وأعرض الكثير من ذوي الدخل المتوسط وشبه المنخفض عن الذهاب للمطاعم الفاخرة وشبه الفاخرة والمقاهي بشكل دوري كما اعتادوا عليه سابقًا. فتراجعت مبيعات بعض المطاعم، وبعضها انهار حتى بعد ضمادات وعمليات تقليص تكاليف، وعروض بيع ترويجية مخفضة ومتكررة. ولذا لا عجب أن أغلق سبعة آلاف مطعم أبوابه، وحتمًا قطاعات أخرى تأثرت على ضوء ذلك.

الدروس المستفادة

1- إلى أصحاب المطاعم والمقاهي والمطابخ

في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية، لا بد من مراجعة الأسعار لكل السلع والأطباق، حتى الأساسية منها كالطعام، لكي لا يحدث في المطاعم الأخرى ما حدث في سوق المطاعم الكندية من إفلاس عدد معتبر منها. كما ننصح أصحاب المطاعم بتجنب الإمعان في ترويج ثقافة البقشيش العالي، ومنعها في المطاعم والمقاهي والصالات والمطابخ وخدمات ”أوبر إيت“ والخدمات الأخرى بالقدر الممكن.

كما ندعو إلى التفكير الجدي في إطلاق نماذج أعمال «Business Model»، وبوفيهات خدمة السيارات «Drive Thru»، لا سيما في المناطق السياحية ومناطق سكن الطلاب والعمال العزاب؛ لتقليل التكلفة التشغيلية للمطاعم. وننادي بوجوب التخصص بناءً على التميّز لا الاستنساخ، وتجنب تكرار تجارب مطاعم ناجحة والافتتاح لمطاعم مماثلة بالقرب من بعضها.

2- إلى المستهلك

أخي المستهلك، كنت وما زلت محور اهتمام صانع السوق الحقيقي، وليس تاجر التجزئة؛ لأن شعار ”الزبون أولًا“ «Customer First» ما زال قائمًا. ومن حقك أن تطالب بطعام أفضل، وأسعار أكثر تنافسية، وجودة خدمة أرقى، ومرافق أنظف.

وأكرم النادل بالقدر المعقول إن كانت خدمته تستحق، والطعام لذيذًا، وأنت متمكنٌ ماليًا، ولست طالبًا أو معسورًا.

3- إلى الأبناء والشباب والعزاب والمبتعثين

ليس من الحكمة الاعتماد على الطلبات من المطاعم عبر التطبيقات الإلكترونية العديدة؛ فإن ذلك يستنزف جيوبكم. بل يجب عليكم تعلم بعض فنون الطبخ، ولو الأساسية، لإعداد الوجبات الصحية التي تحبون أكلها بأيديكم.

فالاعتماد على النفس وعدم إنهاك محفظة أموالكم أو محفظة الوالدين أمر أساسيٌّ وضروري وأخلاقي؛ فإن ما يمكن للوالدين من ادخاره اليوم سيكون لكم سندًا وعونًا في بلوغ وتحقيق كل أو أغلب أو بعض أحلامكم في المستقبل.

4- إلى الأسر وأصحاب الأفراح

أول خطوة لإنجاح حفلات الزفاف هي حسن التخطيط، وهو حصر أعداد المدعوين، وعليه ترتيب كميات الأطعمة لتفادي رمي فائض كبير من الطعام أو الوقوع في الحرج بسبب نقص الكمية مقابل أعداد المدعوين غير المتوقعة سلفًا. فلا إفراط ولا تفريط.

المستثمرون الجدد

التضخم في المعروض لأي نشاط تجاري حتمًا سيشعل حربًا تنافسية شريفة وغير شريفة. ونعلم علم اليقين، وفي أكثر من دولة عربية وغربية، في عالم المطاعم والبوفيهات والمطابخ، أن هناك من يدعي بأن مصادر لحومه مذكاة شرعًا، ولكن في واقع الأمر غير ذلك.

فإذا وجدت تضخمًا في المعروض لأي سلعة أو نشاط تجاري، ففتش عن نشاط تجاري آخر، سواء أكان مشروعًا تصنيعيًا أو خدماتيًا أو مجمدات أو مقاولات أو خدمات نقل… إلخ. فمواقع تهيئة ومواقع عديدة متوفرة في قنوات رسمية وغير رسمية ورقمية، تفتح الآفاق وتحد من خوض تجارب فاشلة وخسائر فادحة.

مبادرة

أقترح إطلاق حملة حول العالم ترسخ ثقافة تخطيط المناسبات بفعالية أكثر، وتحمل شعار: «كن أكثر رشدًا - Be Wiser»، مع إرفاق صورة توضيحية ترمز لذلك. وتجنب كل مطعم أو محل أو منطقة سياحية تتعمد استغلال الناس في المواقع المقطوعة أو الأسعار المبالغ فيها.

ولنساهم في جعل كل إنسان طيب ومحترم شبعانَ في رمضان وشعبان، وهذا يتسق مع مقطع الدعاء: «اللهم أشبع كل جائع، اللهم…».

‏1. Dalhousie University

‏2. National Post - Restaurant closures 2026