آخر تحديث: 24 / 1 / 2026م - 7:47 م

حين يختلّ العالم

رائدة السبع * صحيفة اليوم

هل جربت اليوم الأول للفقد؟

ذلك اليوم الذي يصبح فيه العالم كله ثقيلًا على قلبك، ويختلط الإحساس حتى لا تعود قادرًا على التمييز: هل الألم في داخلك، أم أن العالم نفسه اختلّ بعد الغياب؟

ويأتي السؤال، كما جاء على لسان الخنساء:

قَذًى بِعَيْنِكَ أَمْ بِالعَيْنِ عُوَّارُ

أَمْ أَقْفَرَتْ إِذْ خَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا الدَّارُ

في تلك اللحظة، تستجمع العائلة ما تبقى من أرواحها المنهكة، وتلجأ إلى الحضن، كأنها تقول بصمت: نحن هنا، معًا.

في الفقد، يصبح الحضن اللغة الوحيدة التي تقول: أنا هنا، حتى لو انهار العالم.

أثناء التعزية، يتحول الحضن إلى أكثر من مجرد لمس جسدي؛ إنه رسالة صامتة من قلب إلى قلب، جسر قصير بين الحزن والسكينة، وطقس إنساني يعيد ترتيب الأرواح. تتلاقى الأيادي، وتتحدث العيون بلا كلمات، وتختفي المسافات بين القلوب. الحضن هنا ليس مجرد دفء جسدي، بل دفء وجود؛ تعويذة صغيرة في مواجهة الفقد، ولحظة طمأنينة وسط انهيار المشاعر.

علميًا، للحضن أثر عميق على النفس. فالتلامس الجسدي يحفّز إفراز الأوكسيتوسين، هرمون الارتباط الإنساني، الذي يخفف التوتر ويهدئ الأعصاب، ويقلل إفراز الكورتيزول، هرمون الإجهاد، مانحًا القلب مساحة ضيقة للتنفس. وتشير دراسات من جامعات مرموقة، مثل هارفارد، إلى أن عشرين ثانية من الحضن قادرة على تقليل الشعور بالوحدة وتعزيز الترابط الاجتماعي، خصوصًا في لحظات الفقد.

لكن الحضن أثناء التعزية ليس مجرد استجابة بيولوجية؛ إنه طقس ثقافي وإنساني. في ثقافات متعددة، من اليابان إلى المكسيك، يحتضن الناس بعضهم عند فقد الأحبة، كأن الألم لا يُحتمل إلا إذا توزّع. وفي يوم الموتى -Dia de los Muertos- في المكسيك، يحتضن الناس صور موتاهم ويزينونها بالزهور، تأكيدًا على أن الحب والذاكرة يستمران، حتى في مواجهة الغياب.

ومضة:

ربما لا نملك إجابة عن الموت، لكننا نملك الحضن.

والحضن، في لحظة الفقد، ليس ضعفًا، بل آخر أشكال القوة الإنسانية.