آخر تحديث: 24 / 1 / 2026م - 7:47 م

الوطنية الصادقة في سيرة الراحل السيد علي ناصر السلمان

ليست الوطنية الحقّة شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا خطابًا يُستحضر عند الأزمات، بل هي وعيٌ عميق بالانتماء، ومسؤولية أخلاقية متواصلة، تنبع من الإيمان، وتُترجم في السلوك اليومي والموقف العملي. وقد جسّد الراحل الكبير السيد علي ناصر السلمان، رحمه الله، هذا المعنى في أرقى صوره، فجمع بين الإخلاص الديني، والولاء الوطني، والاعتدال الفكري، والمواطنة الصالحة.

هكذا كان السيد علي ناصر السلمان… وطنيًّا في الدعاء والموقف:

ومن أبرز الشواهد على هذه الوطنية الصادقة ما عُرف عنه من دعائه الدائم والصريح لرجالات الدولة وللوطن، لا سيّما في ليالي شهر رمضان المبارك، وفي ليالي القدر على وجه الخصوص. تلك الليالي التي يتجرد فيها الإنسان من الأهواء، وتصفو فيها النيّات، ويقف القلب بين يدي الله بصدق وخشوع. فالدعاء في مثل هذه اللحظات لا يُقال مجاملة، ولا يُرفع رياءً، بل يعكس حقيقة ما يؤمن به الداعي، وما يحمله في قلبه من قناعات راسخة تجاه وطنه وقيادته ومجتمعه.

حين يتحول الدعاء إلى موقف إيماني ووطني:

لقد كان السيد علي السلمان يرى في الدعاء لرجالات الدولة وللوطن عبادةً واعية، لا تنفصل عن جوهر الدين، ولا تتعارض مع الانتماء المذهبي أو الفكري. بل كان يؤمن بأن صلاح المسؤولين هو من صلاح المجتمع، وأن التوفيق الذي يُطلب لهم في تلك الليالي المباركة هو في حقيقته طلب للأمن، والاستقرار، والعدل، وحسن التدبير، وصيانة الوطن من الفتن والاضطرابات. وهذا الفهم يعكس إدراكًا عميقًا لمعنى العبادة الشاملة، التي لا تُحصر في الطقوس الفردية، بل تمتد إلى همّ الجماعة ومستقبل الوطن.

وفي زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وسادت فيه خطابات الإقصاء والمزايدة، جاء موقف السيد الراحل ليؤكد أن الوطنية لا تُقاس بحدّة الشعارات، ولا بعلوّ الأصوات، بل بصدق الانتماء، وحكمة الموقف، ونقاء السريرة. فقد كان رحمه الله رمزًا للاعتدال الفكري، ورايةً للتعايش المجتمعي، داعيًا إلى نبذ التشاحن الطائفي، وإلى الحفاظ على المكتسبات الوطنية، وإلى النظر للوطن بوصفه بيتًا جامعًا يتسع لجميع أبنائه دون استثناء.

إن دعاءه في ليالي القدر لرجالات الدولة لم يكن فعلًا معزولًا، بل امتدادًا لمنهجه العام في الحياة، القائم على الإصلاح، وجمع الكلمة، وبناء الجسور بين الدولة والمجتمع، وبين مختلف مكونات الوطن. فقد آمن، رحمه الله، أن المواطن الشيعي وغير الشيعي يجمعهم وطن واحد، ومصير مشترك، ومسؤولية واحدة تجاه أمنه واستقراره ونمائه، وأن أي خطاب يُضعف هذه الوحدة إنما يضر بالدين قبل أن يضر بالوطن.

كما جسّد السيد علي السلمان مفهوم المواطنة الصالحة من خلال التزامه العملي بالقيم الوطنية، ودعمه للمشاريع التنموية والخيرية، وتواصله الإيجابي مع مؤسسات الدولة، وسعيه الدائم لمعالجة القضايا العامة بالحكمة والحوار، لا بالصدام أو التصعيد. وكان يرى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، ومن الكلمة الهادئة، ومن الدعاء الصادق الذي يُرفع في أقدس اللحظات، حين لا يكون بين العبد وربه حجاب.

وفي ليالي القدر، حيث يُقدَّر المصير، وتُكتب الآجال، وتُستجاب الدعوات، كان دعاؤه للوطن وقيادته رسالة إيمانية عميقة مفادها أن حفظ الأوطان من أعظم النعم، وأن الشكر الحقيقي لها يكون بالسعي في استدامتها، وبالدعاء لمن يتحملون أعباء المسؤولية، لا بتأجيج الخلاف أو زرع الشكوك. فالدعاء للقيادة بالصلاح والتوفيق هو في جوهره دعاء للوطن كله، ولأمنه، ولمستقبله، ولأجياله القادمة.

إن استحضار هذه المواقف اليوم ليس مجرد تأبين لرجلٍ فاضل، بل هو دعوة عملية لإعادة تصحيح مفهوم الوطنية في الوعي الجمعي، وربطه بالقيم الإيمانية والأخلاقية، بعيدًا عن التوظيف الضيق أو الخطاب الانفعالي. فقد علّمنا السيد علي ناصر السلمان بسيرته أن حب الوطن عبادة، وأن الحفاظ عليه مسؤولية، وأن الدعاء له ولقيادته في أقدس الليالي هو من أصدق صور الإيمان، وأعمق تجليات المواطنة الصالحة.

رحم الله الراحل الكبير رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه لوطنه ومجتمعه في ميزان حسناته، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحشره مع من أحبّ وأخلص لهم، وجعل سيرته نبراسًا يُهتدى به في فهم الوطنية الحقّة، والإيمان الواعي، والمواطنة المسؤولة

استشاري طب أطفال وحساسية