جاوِرِ السعيدَ تَسعَد
استكمالًا لسلسلة تأصيل الأمثال من تراث الآل، نقف اليوم أمام مثلٍ لطيفٍ خفيفٍ في لفظه، عميقٍ في دلالته ”جاور السعيد تسعد“ ثلاث كلماتٍ فقط، لكنها تنفتح على آفاقٍ من المعاني والتأويلات.
ولعل أول ما يستوقفنا هو اختيار الأجداد لكلمة ”جاوِر“ بدلًا من ”صاحِب“ فالمجاورة أعمق من الصحبة؛ إنها اقترانٌ مكانيٌّ وزمانيٌّ، ومشاركةٌ في الأثر والمجال الشعوري، لا مجرد علاقة اجتماعية عابرة، المجاورة تُفضي إلى التداخل، إلى التشرب، إلى التأثر غير المباشر، بينما الصحبة قد تبقى سطحية أو مؤقتة.
ثم من هو ”السعيد“؟
هل هو الثري مادياً؟ أم المحظوظ؟ أم المسرور الخالي من الهمّ؟
أم أن ”السعيد“ هنا كناية عن صاحب النفس الراضية، أو من يشيع حوله طاقةً إيجابيةً، أو من رزق صفاء القلب وطيب السريرة؟
السعيد في المثل ليس توصيفًا مادّيًا، بل هو حامل أثر، مصدر إشعاع، يُنتفع بجواره كما يُنتفع بجوار النار في البرد، أو بجوار الشجرة الطيبة ظلًا وثمرًا.
أما ”تسعد“، فهل هي سعادةٌ غيبيةٌ تُنقل بالمخالطة، كما تُنقل البركة؟
أم هي سعادةٌ اكتسابية، تُكتسب بالتأثر، كما يقول علماء النفس ”الإنسان هو متوسط خمسة أشخاص يجاورهم ويجالسهم باستمرار“ [1] ؟
وربما يجمع المثل بين المعنيين.. فالمجاورة تورث أثرًا غيبيًّا لا يُدرك، وتُفضي إلى اكتسابٍ نفسيٍّ وسلوكيٍّ ملموس.
وهكذا، يفتح هذا المثل التراثي بابًا للتأمل في أثر الجوار، وفي ماهية السعادة، وفي العلاقة بين الإنسان ومحيطه.
فجاوِر السعيد، لا لتأخذ منه، بل لتتخلق بما فيه، أو لتكتسب منه العدوى العاطفية - أن جاز التعبير -
ولذلك، طبّقوا مبدأ الإمام الشافعي رحمه الله باحتراف:
إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفًا
فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفي الناسِ أَبدالٌ وَفي التَركِ راحَةٌ
وَفي القَلبِ صَبرٌ لِلحَبيبِ وَلَو جَفا
لكن هل كان الشافعي رحمه الله يدعو إلى ترك العلاقات عمومًا مع كل من يشع طاقةً سلبية؟
وماذا لو كان مصدر تلك الطاقة السلبية هو أقرب الناس إليك: أمك، أبوك، أخوك، أختك، زوجتك؟
هنا يبرز التزاحم بين الواجب الشرعي والطموح النفسي، ويُترك تقدير الموازنة للعقل اللوذعي، الذي يُدرك أن بعض العلاقات ليست وجبة يومية، بل حبّة عند اللزوم، أو فيتامين لا يُستغنى عنه، وإن لم يُستهلك يوميًا.
ولذلك أعود وأكرر - وفي التكرار اعتبار -
”اللّي يلعب مع الكبار يكبر“
و”الحيّ يحييك، والميت يزيدك غبن“ كما يقول المثل الخليجي الأخر
وبقي أن نؤصّل لهذا المثل من كلام أهل البيت
، تعزيزًا للمعنى الروحي والبركة المعنوية، وهو ما رُوي عن الإمام الصادق
«اصحب من تتزين به، ولا تصحب من يتزين بك» [2] .
وكأن الرواية تحثّ على اختيار الصحبة التي تُضيف إليك قيمة ورفعة، لا تلك التي تستغلّك لتتزيّن بك دون أن تُفيدك.
بمعنى آخر.. الصحبة غير المتوازنة قد تُرهقك دون أن تُغنيك، وقد تُستهلك فيها لا تتكامل معها.
وكأن مناط التوجيه في الرواية هو النية.. أنت تصحب لتكتسب وترتقي، بينما الآخر يصحبك ليُظهر نفسه بك، لا ليحبك لذاتك.
فشتّان بين صحبةٍ تُبنى على التزكي، وأخرى تُبنى على التزيّن.












