آخر تحديث: 2 / 6 / 2026م - 2:05 م

النجاح لا ينتظر المترددين

أحمد مكي الجصاص *

في كل عام تمتلئ منصات التواصل بدورات تطوير الذات، وكتب التحفيز، ومقاطع النجاح السريع، ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: لماذا ينجح البعض بينما يظل آخرون عالقين في المكان نفسه رغم امتلاكهم المعرفة ذاتها؟

الإجابة غالبًا ليست نقصًا في المعلومات، بل وفرة في الأعذار.

كثيرون يعرفون ما يجب عليهم فعله، لكنهم يؤجلون البداية بحجة الظروف، أو العمر، أو قلة الفرص، أو انتظار اللحظة المثالية، والحقيقة الاقتصادية قبل أن تكون النفسية تقول إن العالم لا يكافئ النوايا، بل يكافئ المهارات والإنتاجية والقدرة على التكيف.

اليوم لم تعد الشهادات وحدها كافية كما كانت في السابق، تقرير مستقبل الوظائف لعام 2025 الصادر عن World Economic Forum أظهر أن التفكير التحليلي والمرونة والتعلم المستمر والإبداع أصبحت من أكثر المهارات المطلوبة عالميًا، مع تسارع التحولات التقنية والذكاء الاصطناعي، كما أشار التقرير إلى أن 85% من أصحاب العمل يخططون لإعادة تأهيل وتطوير مهارات موظفيهم لمواكبة المتغيرات القادمة.

هذا يعني أن سوق العمل لم يعد يسأل: ماذا درست؟ بل أصبح يسأل: ماذا تستطيع أن تتعلم؟ وماذا تستطيع أن تقدم؟

المشكلة أن البعض يستهلك محتوى تطوير الذات وكأنه ترفيه يومي، يشاهد عشرات المقاطع، ويحفظ مئات الاقتباسات، لكنه لا يطبق خطوة واحدة، لذلك نجد كثيرًا من النقاشات المجتمعية اليوم تنتقد ثقافة ”التحفيز الفارغ“ التي تبيع الأمل دون عمل، بينما يتفق كثيرون على أن القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول المعرفة إلى سلوك وعادة يومية.

اقتصاديًا الدول والشركات لا تبني ثرواتها بالموارد فقط، بل برأس المال البشري، ولهذا تستثمر المؤسسات الكبرى مليارات الدولارات سنويًا في التدريب والتأهيل ورفع الكفاءة، فالموظف الذي يتعلم باستمرار يرفع إنتاجيته، ويزيد فرصه الوظيفية، ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتغيرات.

ولعل أخطر الأعذار المنتشرة اليوم هو الاعتقاد بأن النجاح يحتاج ظروفًا مثالية، التاريخ الاقتصادي مليء بقصص أفراد بدأوا بإمكانات محدودة لكنهم امتلكوا ميزة واحدة فقط: الاستمرارية، فالفرق بين شخصين لا يكون دائمًا في الذكاء أو الحظ، بل في عدد المرات التي نهض فيها أحدهما بعد الفشل بينما استسلم الآخر.

كما يؤكد تقرير المهارات المستقبلية للمنتدى الاقتصادي العالمي أن المرونة والقدرة على التكيف والتعلم المستمر أصبحت من أهم الأصول البشرية في الاقتصاد الحديث.

النجاح ليس حدثًا مفاجئًا، بل تراكم يومي صغير، ساعة قراءة، مهارة جديدة، عادة أفضل، أو خطوة مؤجلة تم تنفيذها أخيرًا، هذه التفاصيل البسيطة هي التي تصنع الفارق الكبير بعد سنوات.

لذلك قبل أن تبحث عن دورة جديدة أو كتاب آخر أو وصفة سحرية للنجاح، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا: ما العذر الذي أكرره منذ سنوات؟

قد تكون نقطة التحول الحقيقية في حياتك ليست تعلم شيء جديد، بل التوقف عن تبرير التأخير.

فالفرص لا تنتظر المترددين، والأسواق لا تكافئ الأعذار، والنجاح غالبًا يبدأ من اللحظة التي تقول فيها لنفسك: حان وقت العمل.

مستشار الموارد البشرية