خبز مريم أو خبز المتين
مزيج من الديانة والتاريخ والفلكلور في جزيرة تاروت
يتغير الزمان، ويتجدد، وتزداد الحكايات الشعبية انتشارًا، أما الحقائق الكبرى والغيب فبيد عالم الغيب، إنما نحن غثاء وثغاء من البشر نقول حكايتنا ونتبادل مع الناس الأحاديث، نطرب أحيانًا لما نصل إليه، ونحزن لماضٍ قد طواه النسيان.
تطول الحكايات، وجزيرة تاروت وتاريخها، يتوسطان هذه الحكايات ويتربعان عليها بالتقاسم مع شقيقاتها في منطقة القطيف، والبحرين، والأحساء.
وقد تتقاطع هذه الحكايات مع منطقة البصرة بالعراق، والمحمرة، والأهواز في إيران، ناهيك عن بقية مناطق الخليج.
فَجرَ الحكاية.. حديث عابر بين الفنان عبد العظيم الضامن، والأخ عبد العزيز أحمد كاظم الخباز عن خبز مريم وخبز المتين.
وبعد هذا اللقاء اشتعل النقاش على وسائل التواصل الاجتماعي، يبدأ ولا ينتهي، عن خبز المتين: من يصنعه؟ وكيف يصنع؟ ومتى بدأ؟ ولماذا اسمه مريم؟ ويقطعه كلام عن خبز المتين أو الأصفر أو الأحمر، باختلاف المسميات.
أسجل هذا الكلام تعبيرًا عن رأيي الشخصي، النابع من التأمل والحوار مع الأصدقاء في بقية مناطق القطيف والخليج.
إننا في جزيرة تاروت لا ندعي أننا نحن الذين اخترعنا هذا الخبز المسمى المتين، أو خبز مريم؛ ربما هناك أجيال سبقتنا إلى هذا الناتج، أو استوردته. وربما هناك مناطق أخرى سبقتنا، ونتيجة للتلاقح الثقافي اكتسبنا هذه المهنة، أو ربما نحن فعلناها جميعًا في وقت واحد.
يمكن أن نقول إن آباءنا كانوا يجيدون التعامل مع العجين وخبز هذا النوع من الخبز بشكل أفضل من الآخرين، لكننا لا نستطيع أن نقطع القول بأنه اختراع تاروتي محض.
الديانة النسطورية المسيحية هي أكثر الديانات المسيحية قربًا إلى الإسلام، فهي تؤمن بأن السيد المسيح هو نبي وليس خالقًا؛ وتعتقد بأن السيدة مريم العذراء قديسة، لكنها ليست والدة الله، فالله لم يلد ولم يولد كما تقول سورة التوحيد في الإسلام.
ولن نتعمق في هذا الموضوع كثيرًا، إنما سنكتفي بإيراد شاهد من المصادر المسيحية، وشاهد من الأحاديث الشيعية، لنربط بهما موضوع خبز مريم، والمسيحية النسطورية، ومنطقتنا.
في العام 2018 كتب الكاتب ”موفق نيسكو“، أحد أتباع الديانة المسيحية، مقالًا هامًا، عنونه بـ ”كنيسة المشرق أقرب كنيسة للإسلام“. وعلى الرغم من أن هذا المقال طويل نوعًا ما، إلا أنه يعبر فيه الكاتب عن قرب المسيحية النسطورية من الإسلام. سنكتفي بإيراد بعض المقاطع، معتقدين أنه يفي بالغرض.
"تعتبر كنيسة المشرق التي اعتنقت العقيدة النسطورية أقرب كنيسة للإسلام، ونحن هنا لا نتكلم عن أمور عامة، أو عبارات مجاملات عابرة، قيلت كثيرًا من المسيحيين في التاريخ، في ظروف معينة، ولا نتكلم عن رجل دين مسيحي اعتنق الإسلام، فهذا حدث في التاريخ لدى جميع الطوائف، بل نتكلم عن سياق منظم، وعقائدي إيماني هو علاقة النساطرة بالإسلام.
1- البطريرك دنحا ”مار دنخا الرابع خننيا.. كما جاء في بعض المصادر“ الرابع وقع وبارك كتاب كنيسة المشرق للمؤلف باوامر كريستوف ”والصحيح أنه كريستوف باومر“ الذي يقول: إن النساطرة كانوا متأثرين بالإسلام أشد تأثرًا، والمسيحية النسطورية من بين كل المسيحيين تشبه عن كثب التفسير الإسلامي ليسوع؛ إذ تؤكد على إنسانية المسيح، ولم تُسمِّ مريم والدة الله، والوزير عيسى بن نسطور في القرن العاشر أكَّد، شأنه شأن البطاركة النساطرة، على البعد الشاسع الذي يفصل كنيسة المشرق عن روما، موحيًا بقربها من الإسلام، والأدب النسطوري مرتبط بالإسلام، واللاهوت النسطوري قريب من الإسلام نسبيًا، برفضه الموت التألمي لإلوهية يسوع وتأليه مريم كوالدة الله، فكنيسة المشرق والقرآن كلاهما يرفضان الخطيئة الأصلية، ولذلك قال اللاهوتي المسلم الدمشقي ”1256-1327 م“: ما أروعه من نسطور الذي قال: أنا أنكر إلهًا عاش في رحم امرأة، وأيليا النصيبيني قال: نحن نتبع أفعال ربنا والقديسين عن طريق ممارسة الختان. كرستوف باومر، كنيسة المشرق، ص 169-170 و 175 و 186 و 188. علمًا أن المسيحية الأرثوذكسية والكاثوليكية لا تؤمن أن لاهوت المسيح تألم بل الجسد فقط، كما ترفض الأرثوذكسية تأليه العذراء، لكن الكاثوليكية فيها شيء من هذا المعنى".
2- يقول جان موريس الدومنيكي معبرًا عن التقارب النسطوري الإسلامي، عندما اعتنق يوسف مطران مرو النسطوري الإسلام، ولكي ”يقوم“ يُسوَّغ يوسف ”بتجميل صورة“ إسلامه أمام الخليفة المهدي +758 م، اتهم المسيحيين التهمة الكلاسيكية ”المعتادة“ أنهم عملاء للروم، وأنهم يصلون لانتصار الروم ليل نهار، فسأل الخليفة بطريرك الروم الملكيين ”السريان الملكيين“ الذين كان مسجونًا عنده في أمر النساطرة، فأجابه البطريرك: يكاد ألا يكون النساطرة نصارى، وهم إلى العرب أقرب منا، يعني أن النساطرة يتحملون وجهين في المسيح، يلغي آلام الإله وموته، وأمومة مريم للإله، ويجعل موقفهم أقرب إلى عقيدة الإسلام. ”جان موريس فييه، أحوال النصارى في خلافة بني عباس، ص 75. لتفاصيل أكثر انظر ابن العبري، تاريخ المفارنة، ص 38-39“.
و”ابن العبري“ لاهوتي وفيلسوف وعالم سرياني ولد 623 هـ الموافق 1226 م في مدينة ملطية، ولقب بابن العبري لأن جده أو والده قدم من قرية ”عبري“ الواقعة قرب نهر الفرات، بينما يذهب البعض للاعتقاد بأنه عبراني ”يهودي“ الأصل، ولكن ابن العبري نفسه ينفي ذلك في بيت شعر يقول ”بعد تعريبه“: إذا كان ربنا ”المسيح“ سمي نفسه سامريًا فلا غضاضة عليك إذا…
3- يقول وليم ويكرام، أشد المدافعين عن الآشوريين: إن النساطرة مسيحيون بالاسم. وليم ويكرام ”وليام ويكرام“ William Wigram, مهد البشرية، ص 257.4: الراهب بحيرا، في تواريخ العرب والمسلمين، اسمه نسطور.
”الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 1 ص 61 و 75، ذكر خروج رسول الله إلى الشام وغيره“.
4 - يقول القس أوشان سنة 1901 م: كان للمبشرين النساطرة تأثير على العرب، وحتى محمد نفسه قد حصل على التقاليد التوراتية والمسيحية الواردة في القرآن الكريم من النساطرة، وقصة علاقته بالراهب النسطوري سرجيوس أو بحيرا معروفة جيدًا.
”The Modern Chaldeans and Nestorians, and the Study of A Syriac among them“، 1901 م، الكلدان والنساطرة الجدد ودراسة السريانية بينهم، ص 81-83.
ومن الجانب الإسلامي جاء في كتاب بحار الأنوار المجلد السادس عشر في الصفحة الخامسة ما نصه:
”نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَرَآهُ رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ نَسْطُورُ فَاسْتَقْبَلَهُ وقَبَّلَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ وقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَّه إلا الله وأَشْهد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ…“ انتهى.
هذا ما جاء من أمر رسول الله ﷺ، والحقيقة أن منطقة البحرين والقطيف والأحساء كانت تدين بالديانة المسيحية النسطورية المشرقية، وكانوا ينتظرون خروج النبي محمدًا، ولما رأوا علامات النبوة مثل ختم النبوات بين كتفيه وتظليل الغمامة عليه أسلموا وبشروا أصحابهم بذلك.
نتوقع أن هذه الأجيال الإسلامية التي جاءت من أصولها المسيحية المشرقية النسطورية ظل معها الاحترام للسيد المسيح والسيدة العذراء، والإسلام يُجِلّ ويُعظِّم هذه الشخصيات.
ولذلك اشتهرت هذه المنطقة في بعض الوفيات، مثل وفاة السيدة مريم العذراء، ووفاة النبي يحيى
، وبهذه المناسبة يصاحب ذلك توزيع الخبز المحلي الذي يطلق عليه خبز مريم.
ولأن معركة المسميات احتدمت وتطاولت واختلف القوم في تفاصيلها، قصدنا الحاج علي بن أحمد الخباز، وهو أكبر الخبازين في المنطقة، وفي الحقيقة ساعدنا في الوصول إليه والحديث معه ابنه عبد الشهيد وزوج ابنته الأستاذ حسن الأمير، وأوضح لنا الفارق بين خبز المتين الذي يحتاج إلى وقت طويل في تجهيز العجينة وتخميرها، ويحتاج إلى نار هادئة ويأخذ وقتًا أطول في داخل التنور، وبين خبز مريم، وإن كان الاثنان يعملان من التمر أو الدبس، إلا أن خبز مريم يحتاج إلى نار حامية ووقت أقل لإنضاجه في داخل التنور.
وهنا نضع هذه شهادته المهمة للتاريخ، وآمل أن توضع كاملة مع صورته وهو يتحدث عن هذا الجانب، لتكون معلمًا للأجيال القادمة.
يضيف أبو عبد الشهيد أنه امتهن الخبازة لأكثر من 50 عامًا منذ أن كان عمره 18 عامًا، وقد تنقل في الخبازة مع أبناء عمومته حسن علي وعباس الخباز، ومع قيس، ثم لزم العمل مع أخيه جعفر الخباز يساعدهم والدهم أبو جعفر الخباز.
كان مع مهنة الخبازة يعمل في جَدِّ النخيل، ثم عمل في بريد تاروت، وهو يمارس الخبازة في المساء.
مهنة الخبازة متعبة وتحتاج إلى جهد ومعاناة، ومواجهة حرارة التنور، ومكسبها قليل لمن أراد الإخلاص فيها. فنحن نتحدث، والأمور كلها تغيرت وزادت أسعارها، من الإيجارات إلى سعر الطحين الخاص بهذه الأخباز، إضافة إلى أجور العمالة إن كنت ستضع بعض العمال للمساعدة، وسعر خبز المتين بمواصفات أهل الأول لم يعد مجديًا فيه الريال أو الريالان، لذلك فإن مهنة الخبازة هذه تحتاج إلى دعم حقيقي من الجهة الحكومية أو الشعبية، وإلا فهي إلى اندثار لا رجعة فيه، لم يبق منها إلا الذكريات. ويتفق معي الأخ حسن الأمير، صهر أبو عبد الشهيد، وقد مارست زوجة حسن الأمير القيام بخبز خبز المتين لحبها للتراث، وإهداء بعض الأصدقاء المحبين لهذا الخبز، فهو تراث يذكرنا بجيل الآباء، وكما يقول المثل: ”العين بصيرة، واليد قصيرة“.
الخلاصة التي نخرج بها هي أن خبز مريم وخبز المتين ليس خبزًا عاديًا، وإنما خبز يختلط فيه الدين والتاريخ الشعبي وحالة من القدسية، ويُذكِّر بتاريخ ومعاناة آبائنا الماضين.
ودمتم سالمين.


















