في المكتبة بطهران
هذه الترجمة التي اخترتها لعنوان الرواية الإيرانية المعنونة بالعربية بـ «مكتبتنا الصغيرة في طهران»، وهي مترجمة من اللغة الإنجليزية:
The Stationery Shop of Tehran
للكاتبة الإيرانية الأمريكية مرجان كمالي. أردت في هذا المقال الكتابة عن الرواية نفسها، فهي من النوع الذي يستحق الكتابة عنه، ومن الروايات التي لا تستطيع أن تتركها قبل أن تنتهي من قراءتها، لكن وجدت بها عنصرين ذهبا بي بعيدًا عن أجواء الرواية، واقتصر الحديث عنهما فقط.
العنصر الأول: أن الرواية، رغم طابعها الرومانسي، إلا أنها احتوت العديد من أسماء الأكلات والأطباق الإيرانية التقليدية، وهذا ذكاء وتوظيف مهم في توثيق هذا النوع من التراث غير المادي، سيما في الأدب المهاجر؛ فهو يضيف له نكهة خاصة بما يضمه من تفاصيل ترسم وتضيف ملامح مميزة يتشربها القارئ بشكل تلقائي ودون عناء. هذه النقطة أعادت لذهني ملاحظة كنت أكررها، وهي خلو رواياتنا المحلية القطيفية «حسب استطلاعي البسيط» من أسماء الأماكن والأحياء، حيث تتصف الأحياء في محافظة القطيف بصغر المساحة، بل إن لكل قطعة أرض «مزرعة سابقًا» اسمًا خاصًا بها. وبالرغم من ذلك، نجد الرواية والقصيدة أيضًا لا توثقان غالبًا هذه الأسماء أو الأحداث أيضًا. وحالة العزوف عن هذا النوع من التوثيق الأدبي في الرواية والقصيدة القطيفية تكاد تكون سمة فيهما.
العنصر الآخر: شخصية فخري صاحب المكتبة، فهو أحد أبطال الرواية رغم دوره المحدود فيها، إلا أنه شخصية محورية في الرواية، حيث يظهر بشخصية الرجل المحب لمجتمعه، الذي يقدم خدمات جليلة للمجتمع في فترة ليست عادية، ودون ضجيج، وبشكل يتجاوز هيئته ومهنته كبائع أو صاحب مكتبة. كما أنه يتقن فن التعامل مع الأفراد الذين يرتادون مكتبته، إذ يمتلك فخري حاسة سادسة يفهم من خلالها طبائع عملائه واحتياجاتهم، ويقدم لهم المساعدة بشكل تلقائي قبل أن يطلبوا ذلك. هذه الشخصية في الرواية ذكرتني بأبي فخري التاروتي، ذلك الإنسان الطيب البشوش اللطيف، الذي يعرفه أهل جزيرة تاروت كلهم، فصفات شخصية فخري في الرواية تنطبق تمامًا على شخصية حقيقية هي أبو فخري التاروتي «حبيب محمد صالح آل حيدر» رحمه الله، صاحب استديو الكواكب، الذي يعرفه أهل جزيرة تاروت كلهم.
مذ كنت صغيرًا كان يعاملني كما يعامل الرجال الكبار، وكان دائم التشجيع والتبشير بالمستقبل. التبشير بالمستقبل شيء غير مألوف إلى حدٍّ ما، ولكن هذا الرجل كان هذا ديدنه، وكأن هذا هو ورده اليومي الذي به يتصدق وينشر التفاؤل في قلوب من يعاملهم كأبنائه. كنت أظن أنه يعاملني بهذا الطابع الأبوي المميز نظرًا للعلاقة القوية التي تربطه بعائلتي، لكني وجدته يقوم بنفس العمل مع آخرين أيضًا. العنصر الأجمل الذي سرقني من أجواء الرواية وجعلني أعدل عن فكرة الكتابة عنها، هو أن أبا فخري التاروتي رحمه الله كان أيضًا، في مرحلة من عمره، صاحب مكتبة، ولم يختلف في تعامله مع الناس عن تعامل شخصية فخري صاحب المكتبة في الرواية.













