آخر تحديث: 5 / 6 / 2026م - 11:38 م

وين طارت الفلوس؟!

أحمد مكي الجصاص *

الحقيقة التي لا يخبرك بها أحد عن المال، كيف تتسرب أموالك بصمت رغم أن دخلك لم يتغير؟ أخطاء مالية صغيرة تسرق راتبك قبل نهاية الشهر.

في كل شهر يتكرر المشهد نفسه، ينزل الراتب، وتشعر للحظة أن أمورك المالية تحت السيطرة، ثم فجأة تكتشف أن نصف المبلغ اختفى، وبعد أيام قليلة تبدأ في التساؤل: أين ذهبت الاموال؟

الحقيقة الصادمة أن المشكلة في كثير من الأحيان ليست قلة الدخل، بل طريقة التعامل معه، فهناك أشخاص ارتفعت رواتبهم مرات عديدة، لكن أوضاعهم المالية لم تتحسن بالقدر نفسه، وكلما زاد دخلهم، زادت مصروفاتهم، وكأن المال يهرب منهم بالسرعة نفسها التي يدخل بها إلى حساباتهم.

يسمي خبراء الاقتصاد السلوكي هذه الظاهرة ”تضخم نمط الحياة“، وهي ببساطة أن ترتفع نفقاتك كلما ارتفع دخلك، فتظل تدور في الحلقة نفسها مهما زادت مواردك المالية.

الأرقام تكشف جانباً مهماً من المشكلة، ففي نتائج المسح الدولي للثقافة المالية الصادر عن منظمة OECD في ديسمبر 2023، بلغ متوسط الثقافة المالية بين البالغين في الدول المشاركة 60 نقطة من أصل 100 فقط، كما أظهرت النتائج أن كثيراً من الأفراد يفتقرون إلى فهم مفاهيم مالية أساسية مثل الفائدة المركبة وإدارة المدخرات.

كما أكد تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) في مايو 2024، أن معدلات الثقافة المالية لدى الشباب عالمياً ما تزال دون 50% في العديد من المناطق، رغم تزايد تعاملهم مع التطبيقات المالية والاستثمارية.

بمعنى آخر كثير من الاشخاص اليوم يعرفون كيف يكسبون المال، لكنهم لم يتعلموا بعد كيف يحتفظون به.

المشكلة أن المال لا يهرب فجأة، بل يتسرب عبر ثقوب صغيرة لا ننتبه إليها، اشتراكات لا نستخدمها، ومشتريات عاطفية، وعروض مغرية لا نحتاجها، ورغبة مستمرة في مجاراة الآخرين. ومع مرور الوقت تتحول هذه التفاصيل الصغيرة إلى مبالغ كبيرة.

والأمر لا يتعلق بالبخل أو الحرمان، بل بالوعي، فالدراسات تشير إلى وجود علاقة قوية بين الثقافة المالية والقدرة على الادخار وتحقيق الاستقرار المالي على المدى الطويل، كما أن الأشخاص الأكثر فهماً للمفاهيم المالية يميلون إلى امتلاك قدرة أعلى على مواجهة الأزمات والطوارئ المالية.

إذا كنت تتساءل لماذا تهرب الفلوس منك، فابدأ بطرح هذه الأسئلة على نفسك:

هل أعرف أين يذهب كل ريال أصرفه خلال الشهر؟، هل أشتري ما أحتاجه فعلاً أم ما أشعر برغبة مؤقتة في امتلاكه؟، هل أدخر أولاً ثم أصرف، أم أصرف أولاً وأدخر ما يتبقى؟، هل أملك هدفاً مالياً واضحاً يجعلني أتمسك بأموالي عندما تكثر المغريات؟

القاعدة البسيطة التي يرددها المستشارون الماليون هي: لا تجعل الادخار بقايا الراتب، بل اجعله أول فاتورة تدفعها لنفسك.

المال لا يحب الفوضى، عندما تمنحه خطة واضحة يبقى، وعندما تتركه دون إدارة يتسرب بصمت، لذلك لا تسأل فقط: ”كيف أزيد دخلي؟“ بل اسأل أيضاً: ”كيف أدير ما أملكه اليوم؟“

فليس الغني من يكسب أكثر دائماً، بل من يعرف كيف يجعل المال يعمل لصالحه بدلاً من أن يقضي عمره كله وهو يطارده.

مستشار الموارد البشرية