آخر تحديث: 5 / 6 / 2026م - 11:38 م

رشة ملح

ياسر بوصالح

استكمالًا لسلسلة تأصيل الأمثال من تراث الآل، نتناول اليوم المثل الخليجي القائل.. ”ابعد اللحم عن اللحم لا يخيس [1] “ وهو تعبير يُحذّر من القرب الزائد بين الأشياء، لما قد يؤدي إليه من فسادها، سواء أكان ذلك في الأمور المادية أو في العلاقات الاجتماعية.

ومن الناحية الحرفية، يستمد هذا المثل معناه من أساليب حفظ اللحوم قديمًا؛ إذ إن تكديس قطع اللحم فوق بعضها من دون فصلٍ بينها يؤدي إلى سرعة فسادها بسبب احتباس الرطوبة وضعف التهوية ومن هذا المعنى الحسي انتقل المثل إلى الاستخدام المجازي، ليعبّر عن فكرة أن القرب المفرط بين الأشخاص قد يفضي إلى المشكلات والخلافات، تمامًا كما يفسد اللحم إذا لم يُفصل بعضه عن بعض.. ومن هنا، فإن المحافظة على مساحة مناسبة في العلاقات تُعدّ أحد عوامل استدامتها ونجاحها.

وتنسجم دلالات هذا المثل مع ما ورد في تراث أهل البيت ، فقد روي عن النبي الأعظم ﷺ أنه قال «يا أهل القرابة تزاوروا ولا تجاوروا» [2] 

ويجسد هذا الحديث مبدأً دقيقًا في إدارة العلاقات الأسرية والاجتماعية، ويتضمن دلالتين مهمتين:

أولاً: توجيه الخطاب إلى الأقارب، بما يؤكد أهمية الاعتدال في العلاقات داخل الأسرة الواحدة.

ثانياً: التمييز بين المزاورة والمجاورة

• المزاورة: تعني التواصل واللقاء المتجدد بين حين وآخر، بما يحفظ أواصر المحبة ويجدد الشوق، من دون أن يؤدي إلى الاحتكاك المستمر.

• المجاورة: تعني السكن المتقارب أو العيش المتداخل بصورة دائمة، وهو ما قد يفضي أحيانًا إلى خلافات ونزاعات بسبب تداخل الخصوصيات واختلاف الطبائع.

ولم يقتصر التراث النبوي على الحث على التواصل، بل رسم معالم التوازن في ممارسته، فقد ورد عن النبي ﷺ «الزيارة تُنبت المودة». [3] 

كما قال ﷺ «زر غِبًّا تزدد حبًّا». [4] 

وفي المقابل، ورد عن أمير المؤمنين علي «كثرة الزيارة تورث الملالة [5]  [6] »

ومن خلال هذه النصوص تتضح الرؤية المتوازنة التي يقدمها تراث أهل البيت للعلاقات الإنسانية؛ فهو يدعو إلى صلة الرحم وتعزيز أواصر المودة، لكنه في الوقت نفسه ينبه إلى أهمية الاعتدال، بحيث لا تتحول العلاقة إلى مصدر للضيق أو النفور بسبب كثرة الاحتكاك وتجاوز الحدود الشخصية.

ختامًا، يمكن القول إن نجاح العلاقات لا يتحقق بالقرب الدائم ولا بالابتعاد الكامل، وإنما بالتوازن بين الحضور والغياب، وبين الوصل وإفساح المجال للخصوصية فكما أن رشة الملح تضفي على الطعام نكهته المحببة من غير إفراط يفسده، كذلك العلاقات الإنسانية تزدهر حين تُبنى على الاعتدال.

[1]  في اللغة خاس اللحم أي فسد وتغير

[2]  مستدرك الوسائل ج 13 ص 203

[3]  بحار الأنوار ج 71 ص 357

[4]  مسند أبي داود ص 330- بحار الأنوار ج 71 ص 357

[5]  الملالة تعني السأم والضجر، ولعل هذه الرواية عن امير المؤمنين ينسجم معها المثل الخليجي الأخر لا تكثر الدوس يا خلي يملونك، لا أنت بولدهم ولا أنت طفل يربونك

[6]  تحف العقول عن آل الرسول ﷺ - ابن شعبة الحراني - ص 111