آخر تحديث: 5 / 6 / 2026م - 11:38 م

الشيخ الصفار: النفس الكبيرة تتسامى على المكاسب الدنيوية إذا اصطدمت بالقيم والمبادئ

جهات الإخبارية

قال الشيخ حسن الصفار: إن عظمة النفس تظهر عند التعارض بين القيم والمصالح، فصاحب النفس الكبيرة يقدّم المبدأ على المكسب مهما كان الثمن، بينما يتخلى ضعيف النفس عن قيمه من أجل مصالح آنية أو مكاسب محدودة.

وتابع: إن قيمة الإنسان الحقيقية تتجلى في سمو نفسه وارتباطها بالمبادئ لا بالمصالح الضيقة.

جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: النفس الكبيرة.

ودعا الشيخ الصفار إلى استلهام الدروس العميقة من شخصية الإمام علي ، بوصفه النموذج الأبرز ل«النفس الكبيرة» التي ترتقي بصاحبها إلى آفاق القيم والأخلاق، وتمنحه القدرة على مواجهة تحديات الحياة بثبات وعزة وكرامة.

وبمناسبة إحياء ذكرى غدير خم قال: يجب أن يتحول إلى مشروعٍ أخلاقي وسلوكي ينعكس على حياة الإنسان ومواقفه.

وتابع: إن التمسك بولاية الإمام علي تعني الاقتداء بسيرته وتجديد العهد بقيمه ومبادئه، لا الاكتفاء بالمظاهر الاحتفالية والشعارات.

وأوضح أن الإنسان يحتاج إلى التتلمذ على كلمات الإمام علي وتوجيهاته التي تحفّز على صيانة الكرامة الإنسانية، وترفض الانحدار إلى مستنقع الأنانية المفرطة والخضوع للشهوات والرغبات.

وبيّن أن النفس الكبيرة هي التي تستنهض طاقات الإنسان الكامنة، وتدفعه إلى بذل أقصى الجهود لتحقيق الأهداف السامية، في حين يميل أصحاب النفوس الصغيرة إلى الراحة والخمول والاكتفاء بالمكاسب المحدودة.

وأضاف: إن النفس الكبيرة ترتبط بالطموحات العالية والهمم الرفيعة، بينما يرضى صاحب النفس الصغيرة بأدنى سقف من الطموح والإنجاز.

وشدد على أن من أبرز سمات النفس الكبيرة قدرتها على استيعاب أخطاء الآخرين، والتعالي عن الاستفزازات، والابتعاد عن الصراعات والنزاعات التي تستنزف الطاقات وتُفسد العلاقات.

وتابع: لقد قدّم الإمام علي في سيرته أروع الأمثلة في ضبط النفس والحلم وسعة الصدر.

ولفت إلى أن قراءة سيرة الإمام علي والتأمل في مواقفه تكشف للأجيال أفضل نموذج للنفس الكريمة الكبيرة.

واستشهد بعدد من كلماته وتوجيهاته وبالمشاهد التاريخية التي يظهر فيها حرص الإمام علي على القيم العليا، ومراعاته لمصلحة الرسالة ووحدة الأمة.

وقال: حين يتنافس الآخرون على مقام السلطة والزعامة، يراها علي أقل قيمة من نعل معابة تحتاج إلى اصلاح، كما يروي عبدالله بن عباس: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِذِي قَارٍ وهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَه، فَقَالَ لِي: «مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟»، فَقُلْتُ: لَا قِيمَةَ لَهَا، فَقَالَ : «واللَّه لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ، إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا».

ومضى يقول: إن أمير المؤمنين يعلّم أتباعه الصمود النفسي والثبات أمام المشكلات والتحديات، وعدم الاستسلام للضغوط أو الانفعالات، وهو ما تحتاجه المجتمعات والأفراد في ظل ما يواجهونه من أزمات وتحولات متسارعة.

ودعا إلى جعل مناسبة الغدير محطةً لتجديد الالتزام بمنهجه وقيمه، وترجمة هذه المعاني إلى سلوك عملي يعزز الأخلاق والوحدة والكرامة الإنسانية في المجتمع.

تأبين الشيخ الفياض

وفي موضوع متصل نعى الشيخ الصفار المرجع الديني الكبير الشيخ محمد إسحاق الفياض الذي وافته المنية يوم أمس الخميس 18 ذو الحجة 1447 هـ.

وقال في الخطبة الثانية: إن الساحة الدينية والعلمية فقدت برحيله أحد أبرز أركان المرجعية الدينية في النجف الأشرف، وأحد أعلام الفقه والاجتهاد الذين تركوا أثرًا علميًا وأخلاقيًا عميقًا في الحوزة العلمية والعالم الإسلامي.

واستعرض المسيرة الحافلة للمرجع الراحل، مشيرًا إلى أنه يمثل نموذجًا فريدًا للعالم العصامي الذي شق طريقه في طلب العلم رغم ظروفه المعيشية الصعبة.

وتابع: وُلد الشيخ الفياض عام 1930 م في أسرة فقيرة تعمل بالزراعة في إحدى قرى محافظة غزني بأفغانستان، وبدأ رحلته العلمية مبكرًا قبل أن يهاجر إلى مشهد ثم إلى النجف الأشرف وهو في الثامنة عشرة من عمره، حيث واصل دراسته بجد واجتهاد حتى تبوأ موقعه بين كبار الفقهاء والمراجع.

وأوضح أن الشيخ الفياض لازم أستاذه المرجع الكبير السيد أبو القاسم الخوئي، وشارك في تقرير أبحاثه الأصولية، كما أسهم في تربية أجيال من العلماء والفضلاء.

وتابع: وقد أثرى المرجع الراحل المكتبة الإسلامية بموسوعات فقهية وأصولية وعدد من المؤلفات العلمية الرصينة التي تعكس عمق اجتهاده وسعة اطلاعه.

وأشار إلى أن من أبرز ما تميز به المرجع الراحل جديته العلمية واستقلاليته الفكرية، حيث كان يتعامل مع القضايا الفقهية بروح الباحث المجتهد الذي ينطلق من الدليل والقناعة العلمية، بعيدًا عن رهبة الآراء السائدة أو المشهورة.

واستشهد بموقفه الفقهي الأخير حول سن بلوغ الفتاة، حيث عدل عن رأيه السابق القائل بتحقق البلوغ عند إكمال التاسعة من العمر، ورأى أن البلوغ يتحقق بإكمال ثلاث عشرة سنة هلالية إذا لم تسبق ذلك علامة الحيض، وهو ما عُدّ مثالًا على شجاعته العلمية واستعداده لمراجعة آرائه وفق ما يقتضيه اجتهاده.

وأشاد بالصفات الأخلاقية الرفيعة التي اتسم بها الفقيد، مؤكدًا أنه كان مثالًا للتواضع والبشاشة وحسن التعامل مع زائريه وتلامذته، وأن أخلاقه الرفيعة كانت تكمل مكانته العلمية الكبيرة، فجمع بين العلم الغزير والسلوك الإنساني الراقي.

وتوقف عند مواقفه الداعية إلى الوحدة والتقارب بين المؤمنين، مبينًا أنه كان يرفض إصدار البيانات والفتاوى التي تؤجج الخلافات بين العلماء والمراجع بسبب الاختلافات الفكرية أو الفقهية.

وتابع: كان رحمه الله يؤمن بإدارة التباينات العلمية عبر الحوار الموضوعي والنقاش العلمي الرصين، مع احترام التعددية في الرأي والاجتهاد.

يشار إلى أن الشيخ الصفار سبق أن أصدر كتابًا عن شخصية المرجع الراحل بعنوان: «الشيخ الفياض.. عمق الفقاهة وسمو الأخلاق».