بنات الديك تتغلّى
”بناتُ الديكِ عزَّها السمكُ عَزَّة.“
خرجت عفوية ونحن نتبادل حديثًا لا يزيد في ظاهره على أسعار السمك والدجاج.
قال أحدهم.. ”حوِّل على بنات الديك.“ وقال آخر ضاحكًا.. ”حتى بنات الديك ارتفع سعرهن كان بعشرة واليوم بثمانية عشر وعشرين وإذا اتجه الناس إليهن لحقن بالسمك.“ عندها سبقتني الجملة قبل أن أسبقها.
… ثم بقيتُ أفكر...
كم هي غريبة طبائع الحياة.
أحيانًا لا يحتاج المرء إلى أن يزداد حسنًا حتى يلتفت الناس إليه ولا إلى أن يضيف شيئًا إلى نفسه حتى يصبح مرغوبًا فيكفي أن يضيق ما كان خيار الناس الأول فإذا بالبديل يصبح وجهتهم وكأنه اكتسب قيمة جديدة وهو لم يتبدل.
وليس هذا شأن الأسواق وحدها.
هناك أشياء كثيرة لم تتبدل فكل ما تبدل هو المسافة بينها وبين الناس.
أذكر أن كبار السن كانوا يقولون عن بعض الأطعمة.. ”هذا موجود في كل بيت“ ولم يكونوا يقصدون وفرتها لكنهم اعتادوا عليها وما اعتاده الإنسان ينسى فضله حتى يفقده أو يفقد ما كان يملأ مكانه.
ولهذا لا أستغرب أن يكتسب شيء عادي مكانة لم يكن يتوقعها أحد. فالدنيا تعيد توزيع النظرات كما تعيد ما يرزقك الله وما كتب لك أيضًا.
ولعل النفس تعرف من الحياة ما لا نعرفه نحن فكلما ضاقت بها جهة فتحت جهة أخرى وكلما أغلقت الظروف بابًا مدت يدها إلى أقرب باب يمكن العبور منه لا حبًّا في البديل دائمًا ولا زيادة في فضله.. فالإنسان لا يستطيع أن يقف طويلًا في مواجهة واقع لا يملك تغييره فيألف ما كان يراه دونه ويطمئن إليه حتى يخيّل إليه بعد مدة أنه كان خياره منذ البداية إذ مشت النفس حيث استطاعت لا حيث كانت تتمنى.
ولعلنا نفعل ذلك أكثر مما نواجه الأمر أو نعترف به.
لا مع الطعام وحده وإنما مع أشياء كثيرة مرت بنا.
نردد في البداية.. ”إلى أن يتعدل الحال“.. ”خلها على ربك“ ثم تمضي الأيام فإذا بالحال قد أخذ شكلًا آخر وأخذنا نحن شكلًا آخر معه حتى يصبح ما كنا نقول عنه مؤقتًا جزءًا من يومنا ثم نعتاده دون أن نشعر.
الحياة لا تسألنا إن كنا موافقين على هذا التغيير فهي تمضي ونحن نمضي معها ونكتشف بعد مدة أننا لم نعد نحسب الأشياء بالحساب نفسه الذي بدأنا به.
لهذا بقيت تلك الجملة في ذهني أكثر من أسعار السمك.
لم تكن طرفة عن الدجاج ولا تعليقًا على السوق.
فقيمة كثير من الأشياء لا تتغير داخلها فهي نفسها وإنما تتغير في أعيننا حين تتبدل مواقع ما حولها.
ولذلك.. كلما سمعت أحدًا يصف شيئًا بأنه أصبح عزيزًا.. تذكرت أن العزة أحيانًا لا تأتي من صاحبتها…
وأن بنات الديك قد يعزّهن السمك عِزّة.













