آخر تحديث: 2 / 8 / 2026م - 1:00 م

الحاج محمد حسن والمقدس ابن معتوق

سلمان محمد العيد

أعرب أهالي جزيرة تاروت عن حزنهم لوفاة أحد أبناء الجزيرة الأوفياء، وهو الحاج محمد حسن آل درويش، وهو نجل المقدّس الشيخ عبدالله بن معتوق «قدّس الله سرّه». فجاءت وفاة هذا الحاج الوجيه مناسبة للحديث عن سيرة والده المقدس.

ولعلّي في هذه المناسبة أتذكر أن حالة وفاة جرت لعائلتنا الكريمة «الصفار»، وهي وفاة العم الحاج عبد الكريم بن الشيخ حسن الصفار «أبو علي»، وذلك في منتصف التسعينيات الميلادية، فكانت تلك الحالة مناسبة للحديث عن أحد رجال الدين البارزين في وقته، وهو الشيخ حسن الصفار «وهو غير الشيخ حسن الصفار الحالي، أطال الله في عمره». فكانت الحادثة قد أعادت الحديث عن هذا الشيخ الراحل «قدّس سرّه». بالتالي، فوفاة الابن نقلت الحديث إلى الأب.

إن المواساة في مثل هذه الحوادث هي حالة عامة لدى أبناء الجزيرة «كما هو حال باقي بلدات محافظة القطيف». فنجد أن الأهالي يتداعون لتشييع أي فرد توفّاه الله، بغض النظر عن مكانته الاجتماعية، والعلمية، أو مستواه المادي، لكن، وبدون شك، فإن هناك من شارك في تشييع الحاج محمد حسن «رحمه الله» للتعبير عن حبّ معين، ليس للفقيد الراحل فقط، بل لوالده المقدّس، انطلاقًا من قاعدة أن «المرء يُكرم في ولده»، وأظن أنّها سيرة سار وفقها الآباء والأجداد والمعاصرون.

هذه الحالة تثير لدينا ثلاث ملاحظات مرتبطة ببعضها، نرى من الضرورة التطرّق لها. تتمثل «الملاحظة الأولى» في أن المجتمع المحلي مجتمع متدين بطبعه، فهو يحترم الدين ويمنح رجال الدين تقديرًا من نوع خاص، قد يصل إلى حد القداسة، وربما المبالغة. وحتى في حال وجد «لا سمح الله» أن ثمة شخصًا كان في وادٍ بعيد عن التدين والالتزام، نجده في قرارة نفسه، وفي سلوكه اليومي، يحمل التقدير والاحترام لرجل الدين، ولا يحمل معاداة أو مناوأة للدين ورجال الدين، وهذه السمة قديمة متوارثة، نابعة من احترام الجميع للدين. وأظن، والله العالم، أن سلوك رجال الدين في منطقتنا الكريمة يبعث على هذه الثقة من قبل أفراد المجتمع، فالأصل في رجل الدين أنّه يمثل الدين قلبًا وقالبًا، شكلًا ومضمونًا، فكرًا وسلوكًا، لذا فهو مرادف لكل ما هو صلاح وإيمان وتواضع وأخلاق، وذلك أمر متوقع وغير مستغرب لوجود توجيهات وأحاديث وروايات تدعم هذا التوجه، تحدث عنها النبي وآله الطاهرون، وجسّدها كبار علماء الدين في بلادنا، وفي البلاد التي تضم الحوزات العلمية، مثل العراق وإيران.

هذه السمة، ربّما تأثرت قليلًا في السنوات الأخيرة، لظهور بعض المواقف التي صدرت من عدد قليل من رجال الدين، واعتُبرت سلبية أو خاطئة، أو لظهور تيّارات فكرية تتطلع إلى مواصفات إضافية لرجل الدين على الصعيد الشخصي، أو مقولات هنا وهناك تدعو إلى عدم منح رجال الدين القداسة المطلوبة، وبعضها يحمل بذور الريبة وعدم الموضوعية في ذلك. ومع كل هذا، نجد أن «هيبة وقيمة ومقام وموقع» رجل الدين لا تزال في مكانها، لم تتأثر، بغض النظر أكان هذا الرجل صاحب مستوى علمي راقٍ، أم هو «متعلّم على سبيل نجاة». فالاحترام من قبل باقي أفراد المجتمع هو نفسه، ورجل الدين لا يزال يمارس دوره وهو في مقام رفيع من التقدير والاحترام، وأقصى ما يمكن قوله هو أن عليه أن يجنّد هذه السمة لصالحه ولصالح مجتمعه.

وبناءً على ذلك تأتي «الملاحظة الثانية»، المرتبطة بسابقتها، وهي أن فئات ليست قليلة من أبناء مجتمعنا قد لا يقدّرون الشخصية المتميزة في حياتها، ولكن بعد وفاتها. ورغم أن كاتب هذه السطور لم يعاصر المقدّس الشيخ عبدالله بن معتوق التاروتي، لكنه شهد تشييعًا مهيبًا لأكثر من واحد من رجال الدين المحليين، مثل الشيخ علي بن يحيى، والشيخ تقي بن معتوق التاروتي، والشيخ عبدالرسول البصارة، كما اطّلع على صور التشييع المهيب الذي أقامه أهالي جزيرة تاروت للشيخ أحمد آل سيف «رحمهم الله جميعًا». وأقطع جازمًا بأن عددًا غير قليل من المشيّعين لا يعرف الاسم الكامل للشيخ علي بن يحيى، ولا الشيخ أحمد آل سيف، فضلًا عن أن العشرات من أبناء مجتمعنا لا يعرفون شيئًا عن الشيخ المقدّس ابن معتوق وأخيه الشيخ تقي، بل إن البعض ممن قام بالتشييع، وربما البكاء، نفّذ ذلك دون أدنى معرفة إضافية عن الراحلين، وربما كان بعض المشيّعين لم يلتقوا هؤلاء العلماء، ولم يرتبطوا بهم في أقل الممارسات من قبيل صلاة الجماعة، ولكنه، وفي إحدى المواقف، حينما انتقل هذا العالم إلى الرفيق الأعلى، كان الشعار الأبرز حينها للكثير من الناس: «وين رايح يا ويلنا ظلمت الدنيا علينا».

هذا يثير لدينا «الملاحظة الثالثة»، وهي الأهم في هذا الشأن، وهي أن معرفتنا عن سيرة علمائنا هي معرفة شفهية، سطحية، متداولة كتداول شعر الموال البحري، لا تتعدى الاسم والرسم، بل تنطوي في بعض الأحيان على بعض المبالغات التي لا يصح أن تنسب إلى أي إنسان، فضلًا عن رجل الدين الذي يمثل الشرع والشارع المقدّس. ورغم التقديس لرجل الدين، إلا أن العلاقة مع هذا الرمز جاءت في بعض الأوقات تافهة للغاية، كأن يطلب منه «القراءة على الماء القراح»، أو الدعاء للرجل بالغنى المالي والذرية الصالحة، وللمرأة بالزواج والتبعّل. وهذا نابع من كوننا، في الأصل، لم نرصد معالم نتاج هؤلاء، ولأننا أميّون في العديد من سلوكياتنا، ونكتفي بالقول إن بلادنا ذات تاريخ مجيد في العلم الديني، وإن نهضة علمية دينية سابقة شهدتها بلادنا، لدرجة أن بعض الشعراء قالوا في وصفها: «مقدّسة الأكناف رحبًا جنابها».

والمسؤولية، بطبيعة الحال، لا تقع فقط على رجل الدين الراحل، إذا لم يكن ذا مستوى علمي عالٍ، أو كان كذلك ولم يكن معروفًا، وليس لديه من الإنتاج العلمي والأدبي ما يؤكد مستواه، ومن ثم يحفظ سيرته وتاريخه، وإنما هناك مسؤولية تقع على الفئات التي امتلكت ناصية الحرف والقلم، ولم ترصد عطاء عظماء بلادها، واكتفى البعض منهم بالحديث الشفهي؛ ليوصف العالم الراحل بالأوصاف المطاطية العائمة، كأن يقال بأن هذا العالم «رفيع الشأن في العلم، قوي الملكة في الاجتهاد»، وبدون دليل.

إن الشيخ عبدالله بن معتوق، الذي وردت سيرته يوم وفاة نجله الوحيد، كما هو الحال مع كافة علماء الدين في جزيرة تاروت، أدّى ما عليه، ولا شك أن لديه إنجازات علمية وأدبية كبيرة، فأين من يرصدها، ويحفظها، ويستدل بها لتعظيم مكانة الدين وموقع رجل الدين في المجتمع؟

البعض وضع نفسه خارج المسؤولية، وألقى بها على أولاد الفقيد وأحفاده، ولذا أظن أن مشكلة الحاج محمد حسن، أو مشكلة الناس معه، أنّه ابن المقدس ابن معتوق، وبالتالي، حمّله بعض الناس مسؤولية الحفاظ على إرث والده، مع أن المقدس هو ابن هذه البلاد، والكل متفق على أن خدماته الجليلة موجهة لخدمة الشرع والمجتمع. بالتالي، فالمسؤولية على الجميع، وليس على نجله فقط، وهذا ينطبق على سيرة كافة العلماء، فالتقصير، إن حصل، فهو من الجميع.

تلك هي دعوة لكل العوائل العلمية في جزيرة تاروت، بأن تبادر إلى رصد النتاج العلمي والأدبي للعلماء، وتخليده في إصدارات ومعالم تحفظ ذكراهم. أليس من المعيب أن عددًا من الرموز الدينية ليس لها «وقفية» معينة باسمها، مثل إقامة مسجد، أو مجلس، أو وقف خيري، وغير ذلك؟

لا ينبغي أن نكون أمة تغتال عظماءها بعد وفاتهم.

رحم الله الفقيد الغالي الحاج محمد حسن آل معتوق، ووالده، وكافة علمائنا الماضين، وأطال الله في أعمار المعاصرين، إنه ولي التوفيق.