في الحرب قيادة الدفة الاقتصادية لا تقل شأناً!
تقليدياً كانت الحروب تدور في جبهات القتال، أما في الحروب الراهنة فالجبهات مفتوحة ماداها الجغرافي بمقدار وصول المسيرات والطائرات لمهاجمة اهدافاً ليس بالضرورة عسكرية، بل الاستهداف للبنية التحتية والمكتسبات الاقتصادية، بل هناك من يسعى حثيثاً لاصطياد أهداف اقتصادية قاصداً الاضطرار بالاستقرار الاقتصادي وبالتالي الاجتماعي.
وقد كابدت السعودية من ذلك الكثير، فقد فرضت الحرب الأمريكية - الإيرانية «التي اندلعت أواخر فبراير 2026 وتصاعدت مع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وتعطيل حركة الشحن» تحديات اقتصادية ملموسة على المملكة، رغم مرونة اقتصادها النسبية مقارنة بدول خليجية أخرى. فقد أدت الاضطرابات في المضيق، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط البحرية العالمية، إلى تقييد الصادرات النفطية عبر الموانئ الخليجية مثل رأس تنورة، مما اضطر المملكة إلى إعادة توجيه جزء كبير من صادراتها عبر خط الأنابيب شرق - غرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر «بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 5-7 ملايين برميل يومياً». وأدى الصراع إلى التأثير سلباً على زخم النمو والضغط على النشاط غير النفطي، مع توقعات بتباطؤ النمو الاقتصادي في 2026 مقارنة بالتوقعات السابقة، وتوقعات بانتعاش مرتقب عند عودة الملاحة إلى طبيعتها، فقد سجلت تقارير دولية تخفيضاً حاداً في توقعات نمو دول مجلس التعاون بسبب إغلاق المضيق وأضرار البنية التحتية الإقليمية، مع تراجع في أحجام الصادرات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، رغم أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً ساهم جزئياً في تعويض انخفاض الكميات. ومع ذلك، ساعدت الاحتياطيات المالية الكبيرة والبنية التحتية البديلة والاستثمارات المسبقة في التخفيف من حدة الصدمة.
كيف تعاملت السعودية مع التحديات الاقتصادية للحرب؟ أحدث التقارير الدولية الصادرة عن الاقتصاد السعودي، وعلى رأسها تقرير مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي لعام 2026 الصادر بالأمس «في 29 يوليو 2026»، وكذلك تحديثات وكالات التصنيف الائتماني الرئيسية وتقارير البنك الدولي، ترسم صورة متوازنة لاقتصاد يتمتع بقدرة ملحوظة على استيعاب الصدمات؛ فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 4.6% في 2025، مدعوماً بتخفيف قيود إنتاج أوبك+ وقوة الطلب المحلي، ونما القطاع غير النفطي بنسبة 4.2%، وتحسن الوضع المالي مع انخفاض العجز الأولي غير النفطي، واستقر القطاع المصرفي عند أدنى مستوى للقروض المتعثرة في عقد كامل «1%»، مع تقدم ملموس في إصلاحات رؤية 2030 شمل تعزيز التنويع ورفع مشاركة المرأة في سوق العمل وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وعند التمعن تحديداً في تقرير مشاورات المادة الرابعة، نجده يتمحور حول التحديات المتبقية في استمرار الاعتماد النسبي على الإيرادات النفطية رغم تراجعه، وضرورة الحفاظ على الاستدامة المالية طويلة الأجل رغم توفر حيز مالي واسع مدعوم بانخفاض الدين الحكومي واحتياطيات أجنبية صافية بلغت 437 مليار دولار نهاية 2025 وأصول سيادية كبيرة، حيث يشير التقرير الحاجة إلى: 1. تعزيز بيئة الأعمال، 2. دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، 3. تطوير أسواق رأس المال، 4. مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، 5. تسريع التحول الرقمي، 6. رفع الإنتاجية.
وفي مواجهة هذه التحديات، أوصى الصندوق بمواصلة التوطيد المالي من خلال تعبئة الإيرادات غير النفطية وترشيد الإنفاق، مع الحفاظ على الإنفاق الداعم للنمو وتحسين كفاءته بما يعزز الادخار للأجيال القادمة، وشدد التقرير على أهمية الحفاظ على الانضباط المالي والنقدي واستمرار سياسة ربط الريال بالدولار كمعزز للاستقرار، وتعميق الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى تنامي دور القطاع الخاص، ومواصلة الاستثمار في رأس المال البشري وتوسيع تبني الذكاء الاصطناعي «الذي يُقدَّر أن يساهم في رفع النمو الحقيقي بنسبة تصل إلى 6% خلال العقد المقبل»، وتقوية الحوكمة والأطر المؤسسية.
وعند مراجعة التقارير الحديثة لوكالات التصنيف الائتماني الرئيسية الثلاث نجدها تتوافق مع هذا التقييم الإيجابي المستقر؛ فقد أكدت وكالة موديز في مايو 2026 التصنيف عند مستوى Aa3 مع نظرة مستقبلية مستقرة، مستندة إلى حجم الاقتصاد بفضل موارده الهيدروكربونية ومركزه التنافسي في أسواق الطاقة، وتحسن فعالية المؤسسات والسياسات، والتقدم المحرز في رؤية 2030، فيما أكدت وكالة فيتش في يوليو 2026 التصنيف عند A+ مع نظرة مستقرة، مشيدة بقوة الميزانيات المالية والاحتياطيات الكبيرة التي تفوق متوسطات فئتي التصنيف A وAA, ومرونة الاقتصاد غير النفطي والمالية العامة، وقبلهما أكدت وكالة ستاندرد آند بورز في مارس 2026 التصنيف السيادي عند A+ مع نظرة مستقرة، مركزة على الاحتياطات المالية القوية واستمرار نمو القطاع غير النفطي كعوامل أساسية للصمود.
إذن، تفرض الحرب تحدياتها ليس فقط في الميدان بل كذلك على الاقتصاد. وفي حرب اخذت تبدو وكأنها اختلقت لتغلق أهم مضيق لتصدير الطاقة الهيدروكربونية في العالم، واجهت السعودية التحدي في الميدان الاقتصادي باقتدار وثقة، فنجحت في الحفاظ على استقرار اقتصادها والمساهمة كذلك في تعزيز استقرار اقتصادات دول المجلس بفتح امتدادها الجغرافي، لتُظهر التقارير الدولية اقتصاداً سعودياً يستند إلى: أسس قوية، واحتياطيات وافرة، وإصلاحات هيكلية لم تتعطل، مع قدرة مثبتة على التكيف مع الصدمات. أما ما ينبغي الاستمرار في عمله - قامت الحرب أم قعدت - تعميق التنويع ورفع الإنتاجية فهما أساسيان لضمان استدامة النمو في المدى المتوسط والطويل وفي تعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف مع أية تحديات متربصة.













