آخر تحديث: 2 / 8 / 2026م - 1:00 م

حوكمة التعليم… من جودة التعليم إلى جودة الاقتصاد

أحمد مكي الجصاص * صحيفة مال

لم يعد التعليم في الاقتصادات الحديثة مجرد خدمة اجتماعية، بل أصبح استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري، وهو الأصل الأكثر قيمة في أي دولة تسعى إلى اقتصاد تنافسي قائم على المعرفة، ومن هذا المنطلق، جاء صدور المرسوم الملكي بالموافقة على نظام التعليم العام، بتاريخ 24 يوليو 2026 م، ليشكل خطوة استراتيجية تعيد صياغة منظومة التعليم في المملكة، من خلال حوكمة التعليم، ورفع جودة البيئة التعليمية، وتنظيم مشاركة القطاعين الخاص وغير الربحي، بما ينسجم مع مستهدفات ”رؤية السعودية 2030“.

ومن منظور الموارد البشرية، فإن حوكمة التعليم لا يقتصر أثرها على المدارس والطلاب، بل يمتد ليؤثر بصورة مباشرة في سوق العمل والإنتاجية الوطنية، لأن جودة المخرجات التعليمية هي نقطة البداية لجودة رأس المال البشري.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن زيادة سنة تعليمية ذات جودة يمكن أن ترفع إنتاجية الفرد المستقبلية بنسبة تصل إلى 9% في المتوسط، بينما تؤكد تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD»، أن الدول التي تستثمر في تطوير التعليم والمهارات تحقق معدلات نمو اقتصادي أعلى واستدامة أكبر في أسواق العمل.

وفي المملكة خصصت ميزانية عام 2026، ما يقارب 201 مليار ريال لقطاع التعليم، وهو ما يجعله من أكبر القطاعات الحكومية من حيث حجم الإنفاق، في دلالة واضحة على أن الاستثمار في الإنسان لا يزال يمثل أولوية وطنية، إلا أن الإنفاق وحده لا يكفي، فالعائد الحقيقي يتحقق عندما تتحول الموارد المالية إلى حوكمة تعليمية فعالة، تقوم على المساءلة، وقياس الأداء، ووضوح الصلاحيات، وربط المخرجات باحتياجات الاقتصاد.

وهنا تظهر أهمية حوكمة التعليم، إذ تمنح المنظومة التعليمية إطارًا تشريعيًا وإداريًا أكثر مرونة، وتعزز وضوح الأدوار والمسؤوليات، وتفتح المجال أمام مساهمة القطاع الخاص والقطاع غير الربحي في تطوير البيئة التعليمية، وهو ما يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية في إدارة المؤسسات التعليمية.

ومن زاوية الموارد البشرية، فإن الشركات الوطنية تنفق سنويًا مليارات الريالات على برامج التدريب والتأهيل لسد الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الوظائف، وكلما ارتفعت جودة التعليم الأساسي والعام، انخفضت تكلفة إعادة التأهيل، وتسارعت عملية دمج الخريجين في سوق العمل، وارتفعت إنتاجية الموظف منذ سنواته الأولى.

كما أن سوق العمل يشهد تحولًا متسارعًا بفعل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، حيث يقدر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير مستقبل الوظائف 2025، أن نحو 39% من المهارات الحالية ستتغير بحلول عام 2030، الأمر الذي يجعل حوكمة التعليم ضرورة اقتصادية لضمان مواكبة المناهج والمهارات للتحولات المتسارعة في سوق العمل.

ولا يقل أهمية عن ذلك، أن مشاركة القطاع الخاص في التعليم ستسهم في تعزيز الابتكار، واستحداث نماذج تعليمية أكثر مرونة، وتوسيع الشراكات مع جهات التوظيف، بما يضمن مواءمة أكبر بين المناهج والمهارات المطلوبة في المستقبل، وهو ما ينعكس على معدلات التوظيف وجودة الوظائف، ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.

إن نجاح حوكمة التعليم لن يُقاس بعدد اللوائح أو المدارس التي تطبقها، بل بقدرتها على تخريج أجيال تمتلك مهارات التفكير والتحليل والابتكار والعمل الجماعي، وقادرة على المنافسة في اقتصاد عالمي سريع التغير.

إن حوكمة التعليم تمثل حجر الأساس في بناء المواطن السعودي، الذي لا يزال الركيزة الأهم في مسيرة التنمية، وعندما تصبح الحوكمة أساسًا للإدارة الرشيدة، وتتكامل معها الجودة والشراكة والابتكار، فإن المستفيد الحقيقي لن يكون الطالب وحده، بل الاقتصاد الوطني بأكمله، الذي سيجني ثمار رأس مال بشري أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على الابتكار، وأكثر جاهزية لدعم مستهدفات ”رؤية السعودية 2030“، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

مستشار الموارد البشرية