آخر تحديث: 23 / 10 / 2026م - 12:24 ص

حين يؤمن القلب قبل الجسد!!

عبد الله صالح الخزعل


قبل يومين وفي لحظةٍ من لحظات الرياضة التي تُخلّد في الذاكرة، وقف لاعب التنس الألماني ألكسندر زفيريف بعد أن توّج بلقب بطولة أمريكا المفتوحة للتنس لعام 2026، لا ليحتفل فقط، بل ليكشف عن سرٍّ ظلّ يرافقه منذ طفولته: إصابته بمرض السكري من الدرجة الأولى منذ كان في الرابعة من عمره. الأطباء قالوا إن جسده لن يحتمل الجهد الرياضي العالي، لكن أمّه رفضت أن تُسلم ابنها إلى حدود التشخيص الطبي، وآثرت أن تُسلّح قلبه بالثقة، وأن تُعلّمه أن البطولة لا تُصنع في العضلات وحدها، بل في الروح التي ترفض الاستسلام.

هذه القصة ليست مجرد حكاية رياضي انتصر على مرضه، بل هي درسٌ عميق في معنى الإيمان والإصرار. فالتدريب يعلّمك كيف تُتقن الضربات، لكن الإيمان يعلّمك كيف تُكمل الطريق حين ينهار الجسد. الجهد يبني القوة، لكن الإصرار يبني القدرة على مواجهة المستحيل. وما فعله زفيريف ليس انتصارًا على خصومه في الملعب فحسب، بل هو انتصار على فكرة أن المرض يحدّد المصير.

إننا كثيرًا ما نغفل عن أن وراء كل بطل قصة إنسانية، وأن وراء كل كأس أمّ آمنت، وأب صبر، وروح رفضت أن تُهزم. قصة زفيريف تذكّرنا أن البطولة ليست في رفع الكأس، بل في رفع الرأس أمام كل من قال ”لن تستطيع“. وأن الإنجاز الحقيقي ليس في كسر أرقام قياسية، بل في كسر قيودٍ كانت ستمنعك من أن تبدأ.

ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن الأم كانت هي البطلة الأولى، لأنها آمنت حين لم يؤمن أحد، ورأت في ابنها ما لم تره الأجهزة الطبية. لقد صنعت منه بطلًا لا بالتمارين وحدها، بل بالثقة التي غرستها في قلبه، وبالإصرار الذي علّمته أن المرض ليس نهاية، بل بداية لمعركة جديدة. وهنا تكمن الرسالة التي نغفل عنها: أن صناعة الأبطال تبدأ من البيت، من كلمة تشجيع، من نظرة إيمان، من يدٍ تُمسك بك حين تتعثر.

إن قصة لاعب التنس الألماني ألكسندر زفيريف تُعيد تعريف البطولة: ليست مجرد مهارة رياضية، بل قدرة على تحويل الألم إلى طاقة، والضعف إلى دافع، واليأس إلى أفق جديد. هي دعوة لنا جميعًا أن نؤمن أكثر، أن نصرّ أكثر، أن نرى في أبنائنا إمكانات لا تحدّها التشخيصات ولا القيود. فالأبطال لا يُصنعون في الملاعب فقط، بل يُصنعون في القلوب التي تؤمن بهم، وفي العقول التي ترفض أن تستسلم.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 16 / 9 / 2026م - 4:00 م
ذكرتني مقالتك الثرية يا أستاذ عبدالله بذلك المثل الشعبي العميق: «ما ضعف بدنٌ عمّا اشتهاه القلب»؛ فالقلب إذا اشتعل بالرغبة الصادقة، جرّ الجسد جرًّا، وتحوّلت الحدود إلى محض أوهام. إنها هندسة نفسية قبل أن تكون لياقة بدنية؛ ما نلقّنه لأنفسنا بإيجابية نصنعه، وما نُسلم به من عجزٍ نعيشه، مهما بدا يسيرًا.

ولهذا نجد في الاتجاه الإيجابي أن أمير المؤمنين عليه السلام يعزّز الإرادة ويشحذ الهمّة بقوله: «من طلب شيئًا ناله أو دونه»؛ كلمة تُعلّمنا أن سقف الطموح يجب أن يكون عاليًا، وأن السعي الصادق لا يعود خائبًا، إمّا بالوصول أو بما هو قريب منه.

وفي الاتجاه السلبي يحذّرنا الإمام عليه السلام بقوله: «كلُّ متوقَّعٍ آتٍ»؛ فالتشاؤم استدعاءٌ للهزيمة، والانتظار السلبي يخلق واقعه، وكأن النفس تُبرمج نفسها على ما تخشاه.

ردّي على مقالتك هو أن البطولة التي تحدّثت عنها ليست حدثًا رياضيًا، بل معادلة نفسية وروحية: ما يؤمن به الإنسان يتحقق، وما يستسلم له يبتلعه.