آخر تحديث: 23 / 10 / 2026م - 12:24 ص

لم يكن إزعاجًا... كان عمرًا يمر

عبد الله صالح الخزعل


شاهدت مقطعًا لأمٍ صينية تتحدث مع طفلها الذي كان منزعجًا من أخيه لأنه لا يكف عن دخول غرفته. كان يريد مساحة تخصه وحده، ويرى في وجود أخيه إزعاجًا دائمًا لا ينتهي.

قالت له أمه: أنت رجل، أليس كذلك؟

فأجاب بثقة: نعم.

فقالت له: إذن عليك أن تصبر قليلًا.

ثم لم تتحدث عن الأخلاق، ولا عن الواجبات الأسرية، ولا عن ضرورة مشاركة الغرفة، بل أخذته إلى مكان أبعد من ذلك كله... أخذته إلى المستقبل.

قالت له إن أخاه سيدخل الجامعة يومًا ما، وعندها ستصبح الغرفة كلها لك. ستنام وحدك، وتجلس وحدك، ولن تجد من يطرق بابك أو يشاركك يومك. وبعد الجامعة سيذهب إلى العمل، وربما لن تراه إلا بعد أسابيع أو أشهر. ثم ستكبر أنت أيضًا، وستنشغل بحياتك، وتتزوج، ويصبح لكل منكما عالمه الخاص. وحينها ستتذكر هذه الأيام التي كنت تضيق فيها بوجوده، وستكتشف أنها كانت من أجمل الأيام التي عشتماها معًا.

انتهى المقطع، لكن الفكرة بقيت عالقة في الذهن.

لأن هذه الأم لم تكن تتحدث إلى طفلها وحده.

كانت تتحدث إلى كل واحدٍ منا.

نحن في الغالب لا نعاني من قلة النعم، بل من اعتيادها.

ما يتكرر أمامنا كل يوم يفقد بريقه في أعيننا، فنبدأ بالنظر إلى متاعبه الصغيرة، وننسى قيمته الكبيرة. نرى الإزعاج ولا نرى النعمة، نرى العبء ولا نرى المعنى، نرى ما ينقص اللحظة ولا نرى ما تمنحنا إياه.

ولهذا فإن الإنسان غالبًا لا يكتشف قيمة المرحلة التي يعيشها إلا بعدما تصبح جزءًا من الماضي.

الأخ الذي يملأ البيت حركةً وصوتًا يصبح ذكرى.

والأصدقاء الذين اعتدنا وجودهم تفرقهم الطرق.

والوالدان اللذان نظن أن وجودهما أمر طبيعي، نكتشف يومًا أنه كان أعظم هدية في حياتنا.

حتى أبسط التفاصيل التي كانت تمر دون انتباه، تتحول مع الزمن إلى أشياء ثمينة لا تعوض.

المؤلم أن الزمن لا يأخذ منا الأشياء فجأة.

بل يجعلنا نكبر بعيدًا عنها خطوةً خطوة.

نغادر لعبة الطفولة دون أن نعرف أنها المرة الأخيرة. وننهي جلسة عائلية عابرة دون أن ندرك أنها لن تتكرر بالشكل نفسه أبدًا. ونغلق بابًا خلفنا ونحن نظن أننا سنعود كما كنا، بينما يكون العمر قد قرر شيئًا آخر.

لذلك ليست الحكمة أن ننظر إلى ما يزعجنا الآن فقط، بل أن نسأل أنفسنا: كيف سأرى هذا المشهد بعد عشر سنوات؟

كيف سأرى هذا الأخ؟ وهذا الصديق؟ وهذا البيت؟ وهذه الأيام؟

كثير مما يثقلنا اليوم سيتحول لاحقًا إلى حنين.

وكثير مما نتمنى زواله الآن سيكون جزءًا من ذاكرة نتمنى عودتها.

إن المشكلة ليست أن الأشياء ترحل، فهذا قانون الحياة. المشكلة أننا لا نعرف قيمتها إلا وهي ترحل.

ولهذا كان حديث تلك الأم عميقًا إلى هذا الحد. لقد علمت ابنها أن ينظر إلى الحاضر بعين المستقبل. أن يرى خلف الإزعاج المؤقت جمال العلاقة، وخلف ضيق اللحظة دفء الذكرى القادمة.

فأجمل ما في الحياة ليس أنها تدوم.

بل أنها لا تدوم.

ولعل هذا بالذات هو ما يمنحها قيمتها.

لذلك، قبل أن تضيق بمن حولك، وقبل أن تتذمر من تفاصيل اعتدت وجودها، توقف قليلًا واسأل نفسك:

ماذا لو أصبح كل هذا مجرد ذكرى؟

حينها ستكتشف أن كثيرًا مما كنت تحاول الهروب منه... كان في الحقيقة أحد أجمل الأشياء التي منحك الله إياها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 15 / 10 / 2026م - 8:33 ص
كعادتك أستاذ عبدالله، التقاطاتك ليست مجرد مشاهد عابرة، بل مفاتيح تفتح أبوابًا بعيدة في النفس. كل زاوية في مقالك تحمل معنى، حتى إن المرء يحتار أين يضع تعقيبه، غير أن جملة واحدة هزّتني من الأعماق: نحن في الغالب لا نعاني من قلة النعم، بل من اعتيادها.
هذه العبارة وحدها تكفي لتقليب القلب على وجهه الآخر؛ الوجه الذي يرى ما يغيب عن العين حين تألف النعمة حتى تفقد بريقها. ولعل هذا المعنى بالذات هو ما ظلّ تراث أهل البيت عليهم السلام يذكّر به بلا كلل: أن النعمة لا تُقاس بحجمها، بل بوعي الإنسان بها.
تأمل مثلًا دعاء الخروج من الخلاء: «الحمد لله الذي عرفني لذته، وأبقى قوته في جسدي، وأخرج عني أذاه… يا لها من نعمة» تخيل أن الشريعة تستحب أن يقف الإنسان أمام أمرٍ بيولوجيٍّ شديد الاعتياد، ثم يقول: يا لها من نعمة. فإذا كان هذا هو شأن أبسط العمليات الجسدية، فكيف بنعمٍ أثقل وزنًا وأعمق أثرًا: نعمة الصحة، والأمن، وراحة البال، ووجود من نحب حولنا ؟
2
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 15 / 10 / 2026م - 8:34 ص
إن الاعتياد هو العدوّ الخفيّ للنعم؛ يجعلها تبدو عادية، بينما هي في حقيقتها ألطافٌ إلهية لا تُحصى. وما أشار إليه مقالك من أن الإنسان لا يدرك قيمة مرحلته إلا بعد أن تغدو ذكرى، هو عين ما نغفل عنه كل يوم: أن ما يزعجنا الآن قد يكون أجمل ما سنفتقده لاحقًا.
لذلك كان حديث تلك الأم الصينية بليغًا؛ لأنها لم تُعلّم طفلها الصبر فحسب، بل علّمته أن ينظر إلى اللحظة بعين المستقبل، وأن يرى خلف الضيق نعمة، وخلف الإزعاج معنى، وخلف الزحام دفء وجودٍ سيغيب يومًا ما.
وهذا هو جوهر الحكمة: أن نرى النعمة قبل أن ترحل، وأن نشكرها قبل أن تتحول إلى حنين.