آخر تحديث: 22 / 10 / 2026م - 11:26 م

صوتٌ من بين السطور.. كيف تقرأ اللغويات الجنائية ما لا نقوله؟

غسان علي بوخمسين


قبل سنوات، شاهدتُ فيلماً تلفزيونياً بعنوان «يونابومبر: القصة الحقيقية». لم يختف من ذاكرتي لسببٍ سينمائي، بل للقطة في الفيلم مثّلت لحظة إنسانية ثقيلة: أخٌ يجلس يقرأ بياناً منشوراً في الصحف، فيجد نفسه ينصت ل«صوت» يعرفه جيداً يخرج من بين الأسطر. المشهد يحكي عن كيف يمكن لجملة مكتوبة أن تشير إلى رجل اختفى في أعمق الغابات لسنين؟ ظلّ السؤال يتردد في ذهني حتى أدركتُ أن ما رأيته لم يكن حبكة درامية، بل نافذة على علم هادئ شديد الدقة يُعرف ب«اللغويات الجنائية» «Forensic Linguistics».

وراء الفيلم قضية حقيقية هزّت أمريكا في التسعينيات، حيث ساعد البيان المنشور عائلة «تيد كازينسكي» على التعرّف على أفكاره وأسلوبه الفريد في صياغة الجمل وتخيّر المفردات. وعندما قارن خبراء التحقيقات البيان بنصوصه القديمة، أشار التحليل اللغوي إلى احتمال كبير بأن الكاتب شخص واحد، وهو ما أحال الشك العائلي المؤلم إلى مسار تحقيقي قاد في النهاية إلى بقية الأدلة المادية.

اذا تركنا قاعات المحاكم وأروقة التحقيق، وتأملنا هذا المفهوم بعين فاحصة، سنجد أن الكلمات في عالمنا المعاصر ليست مجرد أدوات تواصل جامدة، بل بصمات سلوكية شفافة تكشف خبايانا وتنقل رسائل خفية لا ننتبه لها في تفاصيل حياتنا اليومية.

في بيئة العمل مثلاً، قد يكتب المدير رسالة مقتضبة وجافة تُفسّر في العرف المؤسسي على أنها توتر أو جفاء، بينما الذي يقصده السرعة لا أكثر. وفي العقود والخطابات الرسمية، كثيراً ما تُمرَّر مصطلحات فضفاضة تُستغل للتلاعب بالطرف الآخر. هنا يظهر الدرس الأول: الوضوح والدقة في صياغة أفكارنا وبالتالي لغتنا ليس مجرد تهذيب، بل درع يمنع سوء الفهم ويبني جسوراً متينة من الثقة الإنسانية.

والأمر لا يتوقف عند ما نكتبه بصريح العبارة، بل يمتد إلى «اللغة غير المكتوبة»؛ أي ما نلجأ إلى إخفائه أو تحاشيه دون أن نشعر. في عالم التحقيق، يُعدّ تحاشي الكاتب استخدام ضمائر المتكلم المباشرة، أو هروبه من ذكر أسماء وأماكن محددة، دليلاً يفصح عن قلقه ورغبته في بناء ساتر لغوي. وفي حياتنا اليومية ننسخ هذا الأسلوب بوعي أو بغير وعي؛ فحين يرسل لك صديق رسالة مطولة تحتوي نقاطاً متعددة، ثم تردّ أنت بالتعليق على نقطة واحدة وتتجاهل الباقي، فإن هذا الفراغ يُقرأ فوراً كرفض ضمني أو انزعاج. كما أن اختفاء عبارات التودد المعتادة من رسالة قريبة يمثّل صمتاً ملفتاً ينبئ بتغير في حالته النفسية. فهم هذه الفراغات يجعلنا قراءً أكثر عمقاً، لا يكتفون بتأمل الحروف، بل يتساءلون بحس متأنٍّ: ما الذي تعمّد النص ألا يقوله؟ ولماذا؟

أزمة الأصالة في زمن الآلة

ومع ثورة الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان أي شخص توليد مقال أو رسالة بضغطة زر. نجد أنفسنا أمام معضلة تشبه معضلة المحققين: هل ننصت لإنسان يسكب روحه وفكره في النص، أم لخوارزمية تعيد تدوير الكلام بلا ملامح؟ هذا التداخل يفرض علينا تطوير حاسة نقدية واعية، تقرأ ما يصلها في سياق موضوعي، ولا تسلّم عقلها لنبرة صُمّمت خصيصاً لتوجيه المشاعر.

مرآة النص وأوهام القارئ

غير أن التحدي الأكبر في قراءاتنا اليومية — سواء في بريد العمل أو الرسائل النصية القصيرة — هو أننا نسيء قراءة النص حين نقرأه بمشاعرنا نحن لا بمشاعر كاتبه. حين نكون غاضبين، نسكب غضبنا على الحروف ونراها هجوماً؛ وحين نكون متوجسين، نتخيّل التهديد في جملة عادية جداً. النص المكتوب مرآة صامتة، وإن لم نحرص على تجريد عقولنا من أوهامنا وظروفنا النفسية اللحظية، سننتهي بقراءة ذواتنا داخل كلام الآخرين بدلاً من قراءة ما قصدوه هم بالفعل.

في الختام، الفيلم الذي شاهدته منذ سنوات بدأ بكلمات أيقظت شكوك أخ، وانتهى بكشف حقيقة مرة. لكن الحكمة التي نستخلصها لحياتنا هي أن الوعي باللغة جزء أصيل من الوعي بالحياة. حين تقرأ عقداً، أو تطالع خبراً، أو تتلقى عتباً من صديق، لا تطبع وضعك النفسي على النص، ولا تسرف في الغوص بالشكوك. اقرأ بوعي، وتكلم برفق، وتذكر دائماً أن الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فإذا تكلّم بها صار أسيراً في وثاقها. فمن يملك زمام لغته ويصون كلماته قبل أن تُفلت، يملك مفتاحاً أرقّ وفهماً أعمق للعالم من حوله.