المشروع الوطني الفلسطيني
قبل أيام شاركت مع الكثير من المثقفين الخليجيين والعرب والأجانب في ندوة هامة وحيوية تناقش ملفاً وموضوعاً لا زال يحظى باهتمام علمي وسياسي في الوسط العربي ألا وهو قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني والذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ولعل هذا المؤتمر من المؤتمرات القليلة التي حضرتها ووجدتها متميزة من خلال نقاط ثلاث أساسية وهي:
1 - تجسير العلاقة بين الأكاديميين العرب والساسة في الساحة الفلسطينية، إذ حظي هذا المؤتمر بحضور متميز لعشرات الأكاديميين والباحثين العرب وإلى جانبهم عشرات الفاعلين في الحقل السياسي من الشعب الفلسطيني.
يعني على المستوى العملي تحوّل إسرائيل إلى حاجة عربية ولاشك أن جلسات المؤتمر زاوجت بين الخبرة العلمية والأكاديمية والخبرة السياسية لذلك ثمة أطروحات متميزة شهدها المؤتمر مما يثري موضوع المشروع الوطني الفلسطيني ومدى تفاعل الشعوب العربية مع قضيتهم المركزية ألا وهي قضية فلسطين. وهذه التجربة تؤكد لنا باستمرار أهمية تلاقي وتواصل الأكاديميين والباحثين العرب مع رجال السياسة والعمل الدبلوماسي، لأننا نعتقد أن تطوير العلاقة بينهما وزيادة وتيرة التلاقي والتفاهم، سيفضي إلى نتائج إيجابية على كل قضايانا العربية سواء الداخلية أو الدولية.
وتحسب للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات هذه الخطوة التي وفرت فضاءً مفتوحاً للتحاور والتلاقي بين أكاديميين عرب من كل مناطق العالم العربي، مع شخصيات وفعاليات سياسية فلسطينية متعددة ومتنوعة وذات خبرات سياسية عميقة في كل شؤون وهموم النضال الفلسطيني.
2 - تجسير العلاقة بين الأجيال العربية، لأن المؤتمر تميز أيضاً بحضور أجيال عربية عديدة ساهمت بمجموعها في إثراء موضوعات وأبجاث المؤتمر، فتجد الباحث الثمانيني والسبعيني كما تجد الباحث الخمسيني والستيني والباحث الطالع بعنفوان الشباب وحماسته للعمل لصالح القضية الفلسطينية. فالمؤتمر لم ينحبس في الأسماء المعروفة على صعيد المعرفة بالقضية الفلسطينية فهو كما يبدو نجح في اكتشاف طاقات فكرية وبحثية جديدة وساهم بالتعريف بجهدها العلمي والبحثي من خلال مشاركة العديد من الباحثين الشباب في جلسات المؤتمر، كما خصصت بعض جلسات المؤتمر لمناقشة هموم وتطلعات الأجيال العربية الطالعة ومدى تفاعلهم المعرفي والسياسي مع القضية الفلسطينية.
3 - تنوع الحضور من الجغرافيا العربية، فتجد في المؤتمر الباحث الذي ينتمي إلى دول المغرب العربي وبجواره الباحث الذي ينتمي إلى دول الخليج العربي كما تجد الباحثين من مصر والسودان وكافة دول المشرق العربي، كما تجد الباحث الأجنبي المهتم بالقضية الفلسطينية والراصد إلى تطوراتها وتحولاتها المختلفة، كما تجد الباحث الفلسطيني الذي يعيش في أرض فلسطين العميقة أو الذي يعيش في المهاجر العربية والأوروبية.
ولقد عكس المؤتمر بعمق، أنه لا زالت قضية فلسطين هي قضية العرب الأولى، وان الباحث الأكاديمي العربي، لا زال على صعيد عطائه العلمي وأبحاثه المعرفية يعتبر أن قضية فلسطين بكل أبعادها هي القضية التي تستحق الدعم والحفر المعرفي في كل جوانبها.
وتميز المؤتمر من الناحية المعرفية، أن كل أبحاثة وأوراقه جادة وليست تكراراً لمقولات بديهية أومكرورة، وإنما حاولت أن تقدم الجديد على المستويين المعرفي والسياسي.
وأود في هذا السياق أن أوضح بعض الأفكار المركزية التي تم إثارتها والحديث عنها في جلسات المؤتمر:
1 - لا يمكن للقضية الفلسطينية أن تسير في مسارها الصحيح في ظل أوضاع عربية متردية ومتشظية على أكثر من صعيد. لأن استمرار الأوضاع السياسية والاجتماعية للعرب منقسمة ومتوترة، يعني على المستوى العملي تحوّل إسرائيل إلى حاجة عربية. فثمة علاقة عميقة بين سقوط المنطقة العربية في أتون الصراعات المذهبية والطائفية وتفتت الدول العربية، وتحوّل إسرائيل إلى لاعب أو عامل داخلي في المنطقة العربية. لذلك ثمة حاجة ماسة لكي لا تتحول إسرائيل إلى حاجة عربية للعمل على إخراج المنطقة العربية من أتون الصراعات والحروب الطائفية والقومية والجهوية.
2 - يبدو أن جذور العديد من الأزمات والمآزق التي يعاني منها المشروع الوطني الفلسطيني يعود من الناحية الفعلية إلى استبدال الهدف المركزي للمشروع من تحرير الوطن إلى بناء سلطة فلسطينية، واعتبار أن بناء السلطة يعد رافعة لمشروع تحرير الوطن، أثبتت التجربة فشل هذا الخيار، لأن آليات عمل كل خيار تختلف عن آليات عمل الخيار الثاني. وفي سياق بناء السلطة قدم المفاوض الفلسطيني الكثير من التنازلات فكانت هناك قرارات دولية ضامنة للحق الفلسطيني ولكن تم تجاوزها لصالح مرجعية أوسلو. كما أن سعي القوى الفلسطينية في بناء السلطة، ساهم في تفجير تناقضات القوى الفلسطينية. ودخل الجميع في أتون معارك سياسية وأمنية، ساهمت في مآلاتها في تبديد عناصر الأمل لدى الكثير من شرائح الشعب الفلسطيني. لذلك فإن إعادة الحياة والحيوية للمشروع الوطني الفلسطيني، تتطلب العودة إلى مشروع تحرير الوطن كهدف مركزي بعيداً عن المزايدات الأيدلوجية والسياسية بين مختلف الفرقاء..
3 - ثمة علاقة فعلية بين مشروعات التسوية مع الكيان الصهيوني واختراق الأمن القومي العربي، لأن الانخراط في مشروعات التطبيع وبناء علاقات تجارية ودبلوماسية وسياحية مع الكيان الصهيوني، هو اختراق مباشر للأمن القومي العربي. والمدخل الحقيقي لكل هذه الاختراقات هي التسويات غير العادلة. ولو تأملنا في خيار التسوية الذي أطلق في مدريد وأدت مفاعيله إلى اتفاق أوسلو، فإن هذا الخيار تشكل في ظل أوضاع سياسية ليست إيجابية. فخيار التسوية حصل في ظل انقسام عربي عميق بفعل حرب الخليج الثانية وتداعياتها الاستراتيجية على الأمن القومي العربي وتدمير العراق وتكريس الاختلال الاستراتيجي بين العرب وإسرائيل وانطلاق التسوية على مبدأين، وكلاهما يشكل خسارة للفلسطينيين «المفاوضات على مسارات منفصلة وتأجيل القضايا الأساس القدس العودة المستوطنات الدولة إلى مفاوضات الوضع الدائم». وكلنا يعلم أن التفاوض لا يغير موازين القوى، وإنما الجزء الأكبر من نتائج التفاوض تتقرر على قاعدة حقائق توازن القوى ولا تحصد من التفاوض. فكانت كل جولات التفاوض هي عبارة عن سخاء فلسطيني وبخل صهيوني. والخطير في حلول التسوية على ضوء التجربة الفلسطينية هي نقل مرتكز المشروع الوطني الفلسطيني من فكرة الوطن إلى فكرة السلطة والدولة، ومن إستراتيجية التحرير إلى إستراتيجية الاستقلال. وهذا جعل النضال الفلسطيني خاضعاً في كل معادلاته لعناصر ليست من صنعه أو بفعل إرادته الوطنية. ويبدو أن المطلوب فلسطينياً وعربياً هو تصحيح هذا الخلل، بحيث تكون الإرادة الفلسطينية وحقائق الشعب الفلسطيني هي المتحكمة في كل آفاق مشروعات التسوية والسلام.
وجماع القول إن تجربة هذا المؤتمر المعرفية، تؤكد أهمية عقد ندوات ومؤتمرات جادة لكل قضايانا العربية، بعيداً عن نزعات التبجيل الفارغة والتي لا تصلح في الأعمال العلمية، وبعيداً عن الإنشاءات العربية التي لا تنسجم ومقتضيات العمل العلمي والأكاديمي. ولقد أثبت المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات انه بإمكاننا كعرب من بناء مؤسسات علمية حقيقية بعيداً عن نزعات التوظيف السياسي السريع.













