آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 7:53 م

النقد ضرورة ثقافية

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

مقال الأسبوع الماضي المعنون ب «في الممارسة السياسية» أثار الكثير من الأسئلة لدى القراء، إذ اتصل بي العديد من القراء، وطرح أسئلته وإشكالاته على أفكار المقال، وطبيعة هذه الأسئلة والإشكالات حفزتني للإجابة عليها، حتى تكتمل عناصر الرؤية للمقال..

1 - وأود في البداية أن أشيد بمبادرة القراء على السؤال وطرح الإشكالات ونقد بعض أفكار المقال. لأن التطور المعرفي والثقافي في أي بيئة اجتماعية، مرهون إلى حد بعيد على وجود بيئة ثقافية ناقدة للأفكار ومسائلة للآراء.

فلا تراكم ثقافياً مجتمعياً، بدون حركة نقد دؤوبة ومتواصلة.

والنصوص المكتوبة هي أحد فضاءات ممارسة النقد، وهذا مما ينبغي تأكيده والتشجيع عليه. أسوق هذا الكلام للحرج الذي أبداه بعض القراء، وهو يقدم ملاحظاته أو يوضح فكرته المخالفة لفكرة المقال.. فليس هناك مقالة ضد النقد، فكل المقالات والموضوعات بصرف النظر عن كاتبها هي بحاجة إلى الفحص والمساءلة والنقد، ولا حرج معرفياً أو أخلاقياً في إبداء وجهات نظر ثقافية أو فكرية مخالفة لمضمون هذا المقال أو غيره من المقالات.

وعلى الصعيد الشخصي يفرحني معرفياً وجود مساءلات وأفكار نقدية لما أكتب. لإيماني العميق أن تطوري المعرفي، يحتاج باستمرار إلى نقد وفحص لما أكتب. فهذا هو سبيل التطور والتراكم المعرفي.

فالخطوة التي قام بها بعض القراء في الاتصال وإبداء بعض الأسئلة أو الأفكار النقدية على ماكتبت، هي محل احترام وإشادة، ومن الضروري أن تتعزز هذه الصفة في فضائنا الثقافي والاجتماعي، لأنها جزء أصيل من أجل تطوير حياتنا الثقافية والمعرفية. فلا حياة ثقافية حقيقية بدون حركة نقد جادة وعميقة. ونحن الكتّاب من الضروري أن نشيد بأية مبادرة تستهدف الإضافة في المشهد الثقافي النقدي.

والرد أو التوضيح على بعض أسئلة القراء، ليس استنكافاً بأسئلة القراء، وإنما احترام وتقدير. وهذا الاحترام هو الذي يقودني إلى توضيح بعض الجوانب المتعلقة بالفكرة المركزية لمقال الأسبوع الماضي.

وأدعو في هذا السياق جميع القراء، ومن مختلف مواقعهم الفكرية والثقافية إلى ممارسة حقهم ودورهم على أكمل وجه في النقد وإبداء وجهات نظر مختلفة عن ما يكتب في صفحات الرأي على المستوى الوطني والعربي..

2 - إن الممارسة السياسية في جوهرها ومآلاتها، لا تستند إلى عالم النيات والدوافع الذاتية العميقة للإنسان، وإنما هي تستند إلى عالم المعطيات الإنسانية العميقة وطبيعة الظروف الذاتية والموضوعية الموجودة.

لأن الممارسة السياسية تستهدف تحقيق مصلحة أو دفع ضرر، وفي كلتا الحالتين الممارس السياسي بحاجة إلى خطوات عملية تدبيرية، وطبيعة هذه الخطوات، هي التي ستحدد مدى صوابية هذه الممارسة أو جدوائيتها على الصعيد الفعلي.

فعالم القلوب والنيات ليس له مدخلية مباشرة وحقيقية في عالم الممارسة السياسية. فالإنسان الخاضع لظرف سياسي ما، يحتاج من السياسي أن يزيل عن كاهله هذا الظرف، بصرف النظر عن طبيعة دوافع هذا السياسي في القيام بهذه الخطوة. فلو خير الإنسان بين ممارس للسياسية يمتلك نية صادقة وصافية، إلا أنه لا يمتلك علاقات واسعة أو قدرة متميزة على التدبير وآخر نيته تشوبها بعض المصالح الشخصية أو الدوافع الدنيوية، إلا أن لديه الكثير من العلاقات القادرة على تفكيك بعض العقد أو مساعدته في الوصول إلى ما يبتغيه. فلا ريب أن هذا الإنسان سيختار وينتخب هذا الإنسان الذي يمتلك القدرة على التدبير وتسيير شؤون الناس. لذلك فإن النقطة المركزية في تقويم الممارسة السياسية ليس طبيعة الشعارات المرفوعة أو العواطف الجياشة التي يبديها، وإنما قدرته الفعلية على الإنجاز، وقدرته على التدبير.

فالممارسة السياسية ليست عملاً تعبدياً محضاً، تشترط فيه النية الخالصة، وإنما هو من الأعمال العامة والتي لا يشترط فيها النية الخالصة، وإنما يشترط فيها أهلية الإنسان النفسية والتدبيرية في القيام بهذه المهام والوظائف المتعلقة بالممارسة السياسية..

3 إن الفصل في الممارسة السياسية بين عالم النيات والقلوب وطبيعة المعطيات الواقعية القائمة، يتطلب بناء ثقافة سياسية جديدة، تتبدل فيها معايير التقويم. لأن عالم السياسة ليس هو عالم العواطف والصراخ الوجداني أو رفع الشعارات الصارخة، وإنما هو عالم القوة والمعطيات الفعلية وبناء التوافقات وفضاء التسويات البعيد عن فكرة دحر العدو أو الخصم أو تحقيق انتصارات كاسحة عليه، وإنما هو مجال للقيام بتسويات تخرج الجميع كاسباً.

وعليه فإن النزعات الشوفينية والعدمية، هي إحدى النزعات الأساسية، التي تساهم في تصحير الحياة السياسية، وتشويه الثقافة السياسية الضرورية لفضائنا العربي والإسلامي.

فالممارسة السياسية لا تستند في حركتها وفعلها إلى عالم الرغبات المجردة، وإنما تتكئ إلى عالم المعطيات القائمة.

والإنسان الذي يتحرك في الحقل السياسي برغباته الجامحة والمجردة. هو لا يمتلك على المستوى العملي إلا الشعارات البراقة واليافطات الصارخة. وهو بهذا يصنع الأوهام للناس. دون أية قدرة فعلية لإنجاز بعض جوانب هذه الشعارات واليافطات.

فالممارسة السياسية الناجحة تدير ما هو كائن، ولا تخلط بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وستبقى أهداف وغايات الإنسان الكبرى حاضرة على مستوى وجدانه ومبادئه، ولكن حينما ينخرط في الممارسة السياسية فهو لا يتحرك وفق رغباته وآماله البعيدة وإنما يتحرك وفق قدراته القائمة وطبيعة الظروف المحيطة به. فعالم السياسة ليس هو عالم الشعارات والرغبات، وإنما هو عالم صنع التحالفات واكتشاف التقاطعات بين جميع القوى والمكونات. وفي هذا العالم تتراكم عناصر القوة، ولا يمكن تحقيقها دفعة واحدة.

وعليه فثمة ضرورة في المجال العربي، لإعادة تأسيس لمفهوم الممارسة السياسية بوصفها القدرة على التدبير في الشأن العام، وليست مسابقة لإطلاق شعارات صارخة وتعبئة غير محسوبة للشارع تثير الغرائز وتغيب العقل. وإنه بدون تفكيك هذه الظاهرة سنبقى نحن كعرب نصرخ ونعلن ونستنكر، وكأن هذه العناوين هي التي تغير المعادلات وتبني معادلات جديدة. فكلما ازددنا صراخاً، ابتعدنا عن مقتضيات الممارسة السياسية السليمة التي تفضي إلى نتائج إيجابية على قضايانا المختلفة. وأحسب أن هذه العقلية التي تمارس السياسة بوصفها إطلاق العنان للغرائز والشعارات ساهمت مع غيرها من العوامل في ضياع فلسطين وبقاء معادلة الغلبة الصهيونية. فنحن نصرخ ونرفع الشعارات ونقيم المهرجانات الخطابية، والطرف الآخر يبني المستوطنات ويمأسس حياته المدنية والإدارية والسياسية، ويصيغ التحالفات العميقة مع القوى المؤثرة في العالم، فكانت النتيجة هكذا، نزداد نحن كعرب بعداً عن فلسطين ويزداد الصهاينة عتواً وترسخاً في الأرض الفلسطينية.

ودائماً وفي كل المجالات، لا تتغير معادلات الميدان بالصراخ والعويل، ولا تبنى القوة النوعية لنا بكثرة الخطابات والمهرجانات الدعائية، بل تبنى بتصحيح طبيعة ممارساتنا للسياسة وإدارتنا لمعاركنا وقضايانا على أسس العقل وحساباته ومعطياته وليس وفق الرغبات المجردة.

وخلاصة القول: إن النقد بكل أبعاده ومستوياته، أضحى ضرورة ملحة وحاجة قصوى لفضائنا العربي للخروج من الأخطاء الفادحة التي كلفتنا الكثير على مستوى قضايانا الكبرى.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».