آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 7:53 م

الوحدة والاحترام المتبادل

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

لعلنا لا نحتاج إلى جهد نظري كبير، لتثبيت أن خيار الوحدات الاجتماعية والوطنية، في كل البيئات والظروف، هو الخيار الأنسب والأصلح على مختلف الصعد والمستويات. فالمواطن العربي في كل البيئات الاجتماعية، مؤمن بشكل عميق بخيار الوحدة، ونبذ كل نزعات التجزئة والتفتت. بل إن الجهة السياسية التي تبحث عن تسويق مشروعها وخطابها في العالم العربي، تتمسك ولو شكليا بخطاب وخيار الوحدة.

احترام وحماية المتعدد الوطني، ليس لقلقة لسان أو ادعاءً يدعى، بل هو ممارسة وطنية مستديمة، تستهدف تثبيت أن مفهوم المواطنة الجامعة، لا يساوي أن تكون قناعاتنا وأفكارنا متطابقة في كل شيء، بل مفهوم المواطنة يتسع لجميع المختلفين والمتعددين، ولا يحق لأي طرف أن ينسب لنفسه حقيقة المواطنة ويسلبها من المختلف معه سواء على الصعيد الديني أو المذهبي أو القومي أو القبليوالجهة السياسية المهددة في شعبيتها وحضورها الاجتماعي والسياسي، هي تلك الجهة التي تسوق لخيار التفتت والتجزئة أو لا تدافع كما ينبغي عن خيار الوحدة والتضامن والتعاضد بين مختلف أطراف المجتمع والوطن العربي الواحد.. لذلك ليس ثمة مشكلة حقيقية حول مبدأ الوحدة سواء على المستويات الوطنية أو المستويات القومية. فالغالبية هي ممن تؤمن بضرورة العمل المتواصل لإنجاز هذا الخيار، كما أن الغالبية شعوريا ووجدانيا، تنبذ أي نزعة للانفصال والتجزئة على مستوى الدول العربية قاطبة. ولكن تتعدد الرؤى وتتمايز القناعات حول الطريق المؤدي إلى الوحدة، والخطوات العملية المفضية إلى تعزيز خيار التضامن والتعاضد على مستوى البيئات الوطنية العربية.

وعلى كل حال وبعيدا عن السجالات الأيدلوجية المختلفة المتعلقة بهذا الموضوع، يمكننا القول: إن الوحدة سواء على المستوى الوطني أو المستوى القومي، لا تساوي دحر ومحاربة كل حقائق التنوع والتعدد الموجودة في العالم العربي. وثمة علاقة عميقة بين مطلب الوحدة وحقائق التنوع والتعدد في الفضاء العربي. سواء أكانت هذه الحقائق دينية أم مذهبية أم جهوية أم عرقية أم قبلية أم ما شابه.

فكل من يبحث عن الوحدة وهو يحارب في خياراته الثقافية والسياسية حقائق التعدد والتنوع في مجتمعه ووطنه، فإنه لن يحصد إلا المزيد من التآكل والتحاجز بين مختلف الأطراف والأطياف. كما أن كل من ينشد واقع الوحدة والاتحاد ويطالب بتعزيزهما في بيئته الوطنية، وهو لا ينسج علاقات إيجابية وتواصلية مع مكونات وطنه فهو لا يؤمن إيمانا عميقا بمبدأ الوحدة وضرورته الوطنية والقومية.

فحقائق التنوع والتعدد الأفقي والعمودي في بيئاتنا الوطنية والقومية، ليست حقائق مضادة للوحدة، بل هي من مرتكزات الوحدة، ولا تبنى الوحدة الحقيقية بدونهما. فمحاربة حقائق التعدد لا تفضي إلى وحدة، بل إلى المزيد من الانقسام والتفتت. ومن يتعامل مع مبدأ الوحدة بوصفه مشروعه الفكري والسياسي، فعليه أن يكسر حاجز القطيعة والانفصال عن مكونات مجتمعه وتعبيرات وطنه. فالطريق الموصل إلى الوحدات الاجتماعية والوطنية الصلبة، هو الذي لا يحارب حقائق التعدد، بل هو الذي يؤسس لنظام اجتماعي وثقافي لإدارة هذه الحقائق على نحو إيجابي، حتى تتحول هذه الحقائق إلى مصدر لإثراء خيار الوحدة وتعزيزه في الفضاء الاجتماعي والوطني.

ويبدو من مختلف التجارب والوقائع الوطنية في أغلب البلدان العربية أننا بحاجة إلى ثقافة وطنية متكاملة قوامها الأساسي احترام المختلف وصيانة حقائق التنوع والتعدد وحماية كل التعبيرات الموجودة في الفضاء الوطني والقومي. فالنتيجة الطبيعية لقيم الاحترام والصيانة والحماية، هي تعزيز خيار الوحدة في الاجتماع الوطني. ودون ذلك ستبقى مقولات الوحدة وخطابات التضامن، هي مقولات وخطابات مجردة لا تغير من وقائع الأمور أي شيء. وعلى ضوء العلاقة العميقة التي تربط قيمة الوحدة بضرورة صيانة وحماية التعددية الأفقية والعمودية في مجتمعاتنا الوطنية، نود التأكيد على النقاط التالية:

1 - إن احترام وحماية المتعدد الوطني، ليس لقلقة لسان أو ادعاءً يدعى، بل هو ممارسة وطنية مستديمة، تستهدف تثبيت أن مفهوم المواطنة الجامعة، لا يساوي أن تكون قناعاتنا وأفكارنا متطابقة في كل شيء، بل مفهوم المواطنة يتسع لجميع المختلفين والمتعددين، ولا يحق لأي طرف أن ينسب لنفسه حقيقة المواطنة ويسلبها من المختلف معه سواء على الصعيد الديني أو المذهبي أو القومي أو القبلي.

كل هذه التعدديات يحتضنها ويحميها مفهوم المواطنة إذا أردنا كأفراد ومؤسسات أن نلتزم بمقتضيات وحقائق المواطنة. كما أن قناعات وأفكار كل طرف، ليست موضوعا للتشنيع والإساءة والإسقاطات الأيدلوجية المبتذلة. فمن يحترم التعددية، يحترم أشخاص وأفكار وقناعات المتعددين وصيانة حقوقهم المادية والمعنوية.

والاحترام لا يساوي الاقتناع بقناعات الآخرين، وإنما احترامها من موقع المختلف والمغاير لهذه القناعات. ولا أحد يدعي في كل الدنيا أن شروط المواطنة الجامعة أن يقتنع الجميع بأفكار وقناعات بعضهم البعض. ولكن من شروط المواطنة الاحترام المادي والمعنوي لقناعات وأفكار أبناء الوطن الواحد.. فالمسلم الهندي ليس مقتنعا على المستوى العقدي أو المعرفي بقناعات وعقائد وأفكار شريكه الوطني من الهندوس والسيخ والعكس، ولكن المطلوب دائما أن تحترم جميع المكونات عقائد وقناعات الشريك الوطني. وألا تتحول قناعات وعقائد الشريك إلى مصدر للتشنيع والتشويه والابتذال.

فوحدة الأوطان تتطلب باستمرار تطوير نظام الاحترام المتبادل بين جميع أطرافه وأطيافه. وندعو في هذا الإطار جميع الكتاب وصناع المعرفة على المستوى الوطني إلى عدم الوقوع في هوة الإساءات المتبادلة.

2 - من حق الجميع أن تختلف وجهات نظرهم السياسية وتتباين قناعاتهم الفكرية ولكن الاختلاف والتباين الفكري والسياسي شيء، وتشويه عقائد المختلف أو التشنيع ببعض قيم المتباين شيء آخر.

فمن حقنا جميعا أن نختلف، ولكن ليس من حقنا أن نسيء إلى قيم وعقائد بعضنا البعض. ومن مقتضيات صيانة الوحدات الوطنية هو خلق المسافة الضرورية بين الاختلاف والتباين الفكري والسياسي وهو حق مشروع ومتاح، وبين التشنيع بعقائد المختلف معنا.

فمن حقنا وواجبنا القومي أن نختلف ونتصارع صراع وجود مع الحركة الصهيونية في فلسطين المحتلة، ولكن ليس من حقنا التشنيع على الديانة اليهودية؛ لأن اختلافنا وتناقضنا مع الحركة الصهيونية شيء، وتشنيعنا على الدين اليهودي شيء آخر.

فثمة ضرورة وطنية وقومية للتفريق بين التباين والاختلاف في الخيارات والقراءات السياسية، وبين التعرض بسوء إلى عقائد من نختلف معهم في خياراتهم وقراءاتهم السياسية.

3 - تعالوا جميعا نخرج من سجن الماضي وإحنه، ونبني أوطاننا على أسس المحبة والوئام والتآلف وحقوق وواجبات المواطنة.

لأن إحن الماضي لو تحكمت فينا، فإنها ستدمر نسيج مجتمعاتنا وأوطاننا، ونحن جميعا لا نتحمل وزر ومسؤولية ما جرى في حقب الماضي؛ لذلك ثمة ضرورة إسلامية وإنسانية وعربية ووطنية، للخروج من صراعات الماضي، والانفتاح على بعضنا البعض على أسس وهدى قيم الإسلام الخالدة، التي تحث على العدالة والمساواة وتنبذ الكراهية والتعدي على الحقوق والحرمات.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».