غربة في بيت واحد: الفجوة الجيلية في العراق في ميزان الشرع وعلم الاجتماع
لم يعد الحديث عن الفجوة الجيلية في المجتمع العراقي مجرد ترف فكري أو ملاحظة عابرة حول اختلاف الأذواق، بل باتت ظاهرة بنيوية عميقة تهدد تماسك الأسرة والمجتمع على حد سواء. يشهد العراق اليوم حالة من ”عدم التفاهم البنيوي“ بين جيل الآباء الذي نشأ في ظل الحروب والأزمات الاقتصادية والتماسك العشائري وجيل الأبناء الذي تفتح وعيه على عوالم الفضاء الرقمي والعولمة الثقافية المتسارعة. هذا التباين الشاسع هو ما يطلق عليه عالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم في نظريته عن الأجيال بـ ”الموقع الجيلي“، حيث يرى أن الأفراد الذين يعيشون أحداثًا تاريخية مشتركة في شبابهم يشكلون وعياً وسلوكاً متميزاً يختلف كلياً عن الجيل السابق واللاحق (Mannheim, 1952).
وهنا يجب التأكيد على أن سنة الله في خلقه تقتضي التنوع والاختلاف وتغير الأحوال وقد أشار القرآن الكريم بوضوح إلى أن تعاقب الأجيال واختلاف الأزمنة هو آية من آيات الله قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (سورة الروم 22). وهذا يتقاطع مع مفهوم ”الهوة الثقافية“ (Cultural Lag) لوليام أوجبرن الذي يفسر التوتر الحاصل بأن التغير في الثقافة المادية (التكنولوجيا والمظهر) يسير أسرع من التغير في الثقافة غير المادية (القيم والأعراف) التي يتمسك بها الآباء (Ogburn, 1922).
لقد أفرز عدم التفاهم هذا تحولات جذرية في منظومة ”القدوات“؛ فبينما كان الآباء يقدسون الرموز التقليدية تتمثل بالأب وشيخ العشيرة والعرف وغير ذلك نجد أن الجيل الجديد قد أسقط هذه الرموز لصالح ”قدوات رقمية“ جديدة. وهذا ما يحذر منه الباحث الاجتماعي العربي حليم بركات الذي يشير إلى أن الاغتراب في المجتمع العربي ناتج عن تصادم القيم الأبوية التقليدية مع طموحات التحرر الفردي (Barakat, 1993). وهذا التغير في القدوة ليس جديداً على الفهم الديني، فقد ورد عن الإمام علي بن أبي طالب
: ”لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم“ (ابن أبي الحديد، 1965)، وهي حكمة تتفوق على النظريات الحديثة في الإقرار بحتمية التغير الاجتماعي.
أما فيما يخص المظاهر الخارجية كالموضة واللبس، التي يراها الآباء انحلالاً بينما يراها الأبناء تعبيراً عن الذات، فإن الدراسات النفسية الحديثة تؤكد أن المظهر هو لغة التواصل غير اللفظي الأولى للشباب لإعلان هويتهم المستقلة (Barnard, 2002). ومن منظور شرعي، فإن الإسلام وإن وضع ضوابط للحشمة والعفة لكنه ترك مساحة واسعة لـ ”العُرف“ المتغير، مصداقاً لقول الإمام الصادق
: ”خير لباس كل زمان لباس أهله“ (الكليني، 1986)، مما يدعو لعدم الجمود على أشكال الماضي.
إن ردم هذه الفجوة يتطلب الانتقال من سلطة ”القمع“ إلى سلطة ”الحوار“، وتفعيل التوجيه النبوي: ”لاعبه سبعاً، وأدبه سبعاً، وصاحبه سبعاً“ (الحر العاملي، 1993). إننا بحاجة إلى فقه اجتماعي جديد يستوعب المتغيرات، مدعوماً بفهم عميق للدين وللعلوم الإنسانية، لضمان استمرار الأسرة العراقية كحضن آمن في زمن العواصف.
















