آخر تحديث: 24 / 1 / 2026م - 8:58 م

السكر التراكمي

سراج علي أبو السعود *

لا يكاد يخلو مجلس من فضولي يتخفّى في هيئة سائلٍ بريء، فضولي يبحث عمّا يفضّل الناس ستره. يسأل مثلًا: متى سيتخرج فلان من الجامعة؟ هذا السؤال في كثير من الأحيان يعني: هل تعثّر فلان في الجامعة أم لا؟ ويسأل حينًا آخر: هل بنى فلان بيتًا؟ والمقصود غالبًا ليس البناء ذاته، بل الحكم على طريقة إنفاقه. وتتعدد التعابير التي تُقال في هذا السياق، لكنها تشترك في جوهر واحد: مراقبة الآخرين، ووزن حياتهم بمعايير جاهزة، ثم إصدار الأحكام باسم الاهتمام. فالسؤال عن تخرج فلان أو تأخره، وعن بيت فلان أو غيابه، هو في حقيقته بحث عن أداة لتقييم الآخرين واستنقاصهم؛ إنه ليس حديثًا عاديًا بقدر ما هو إساءة مقنّعة. إنه نمط من الانشغال بالناس أكثر مما هو اهتمام بهم؛ نمطٌ يمنح نفسه حق تحديد ما ينبغي على كل واحد أن يفعله، في الوقت الذي يعفي فيه ذاته من أي سؤال أو محاسبة.

مالك شغل، مو شغلك، وانت مالك؛ كلها تعابير ملخصها: اهتمّ بنفسك واترك عنك الفضول وفتلكة الأسئلة عن فلان وعلان. اللقافة منبوذة، ولكن هذا أسوأ نموذج للقافة. هذا المرض منتشر بطريقة تكاد تكون مخيفة، حتى لا نكاد نستطيع أن نجد سؤالًا إلا ووراءه ما وراءه. أكاد أجزم أن شخصًا للتو أجرى مجموعة من الفحوصات والتحاليل قد عرف أغلب الناس مستوى السكر التراكمي في دمه، ومعدل الكوليسترول النافع والضار. حتى جرثومة المعدة عرف الكثيرون أنه مصاب بها قبل أن تظهر نتيجة عينة المنظار. لماذا؟ لأن المجالس لا تتحدث غالبًا عن سبب تعادل الاتحاد وضمك، ولا عن صناعة العادات الإيجابية وترسيخها في السلوك، ولا حتى أثر التلوث على الحياة البيئية. الحديث غالبًا عن الناس وما فعلوا ويفعلون. وحالما تجد، قارئي العزيز، مؤمنًا يعتقد بأنه «ماله شغل في خصوصيات الناس»، فاعلم أنك وجدت ملاكًا يمشي على الأرض، فاتخذه خليلًا، فنعم الصديق هو.

كنت مستمعًا حين سأل سائل: ويش يسوي فلان في هالدنيا الحين؟ استعجلت الإجابة قبل أن ينطق مجيب، وقلت: ستسمع الآن كل ما تريد معرفته؛ ستسمع اسم الجامعة والتخصص الذي تخرج منه، وستسمع عدد المواد التي حملها، وحوادثه المرورية، وأسماء أبنائه وجيرانه، ونتائج الكوليسترول والسكر التراكمي. ابتسم الأعمّ الأغلب لأنهم بالفعل قد اشرأبت أعناقهم للحديث عنه والإسهاب. ومع أن أحدهم أنكر معرفته بالسكر التراكمي، إلا أن الآخرين أخبروه به. وحالما تذهب، سيدي القارئ، لتحليل السكر، فلا تنتظر النتيجة؛ فالأمة العربية المجيدة ذات الرسالة الخالدة بأسرها قد عرفته جيدًا قبل المختبر! فاسألها، إن كنت على عجلة من أمرك، فلن تخيب!