آخر تحديث: 24 / 1 / 2026م - 8:58 م

غيمة الخير للدمام رحلت

عبد الله حسين اليوسف

عندما ننظر إلى مدينة الدمام، وحي بورشيد في الجلوية على وجه الخصوص، نجد أن هناك علامة بارزة ومحطة مضيئة، ألا وهي بيت المرحوم السيد علي ناصر السلمان رحمه الله، الذي كان مقصداً للقاصي والداني، والقريب والبعيد. فقد قصده الناس لطلب العلم والمعرفة، والاستفتاء، وطلب الحكم الشرعي، أو حل المشكلات، أو الدعاء، أو الاستشارة الاجتماعية، وحتى في شؤون بناء المساجد ودور الحسينيات، وكل ما يتعلّق بخدمة أهل البيت .

كان رحمه الله نعم القائد، ونعم الموجّه، ونعم الزعيم، يتحمّل المسؤولية على مختلف الأصعدة. ومن أوائل مشاريعه الظاهرة مسجده في حي بورشيد، يؤمّ المصلين فيه، ثم انتقل لاحقاً إلى مسجده في حي العنود، في مرحلة لم تخلُ من المطبات والتحديات، إلا أنه كان مثالاً في تحمّل المسؤولية منذ أول لبنة في بناء المسجد، الذي ظل يشهد التحسين والتطوير والصيانة على مدى الأيام والشهور والسنوات.

وعندما تعرّض المسجد للحادثة الإرهابية، برزت حكمته وبصيرته قبل الحدث وبعده، فكان ثلج الصدر، نافذ البصيرة، صلب الإيمان. وقف على منبر الجمعة موجهاً وخطيباً، مطمئناً الناس بأن ما حدث ما هو إلا سحابة صيف عابرة، وستبقى مجرد ذكرى، وأن كل تضحية وقطرة دم سالت من شبابٍ كانوا جنوداً أوفياء ومحبين له، قد فدوه والمسجد والمصلين بأنفسهم، وكأنهم يقولون: استمر بخطبتك يا سيدنا، فلن نتركك حتى نؤدي ما علينا من حق واجب دونك ودون محمد وآل محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام.

ومن يتتبع أقواله ومواقفه، ويرصد كلماته وحركاته، لن يجد فيها تطرفاً أو شذوذاً عن قاعدة حفظ الأمن والأمان، وخدمة الوطن، ومحبي أهل البيت ، وتثبيت الولاية لهم. فقد كان يدعو دائماً إلى العلم والمعرفة، ويحث أبناءه على طلب العلم الديني والدنيوي، فكان منهم العالم، والطبيب، والمهندس، والأستاذ، وغير ذلك.

وإذا قدّم محاضرة للشباب، دعاهم إلى أن يكونوا مواطنين صالحين، وأن يرفعوا راية الوطن في محافل العلم على مختلف الأصعدة. وإذا دُعي إلى أي محفل، صغيراً كان أو كبيراً، وحتى بعض الأنشطة الشبابية في المنطقة يرحّب ويقول: تقديراً لكم سأحضر ولو جزءاً من الوقت، دعماً معنوياً ومادياً.

أما مبادراته الاجتماعية، فقد شملت المشاريع الصحية في منطقتي القطيف والدمام، وكانت بلسم شفاء ومصدر فخر للمجتمع، حين رأوا عالم دين يساهم في المشاريع العامة، لا الدينية فقط. ولم تقتصر مساهماته على ذلك، بل كان يوجّه أصحاب الأموال والتجار إلى تبنّي المبادرات الاجتماعية، وزرع ثقافة العطاء، ومساندة أبناء المجتمع، وانتشالهم من العوز، لا سيما الأيتام.

وكانت له وقفات سنوية في جمع الأيتام، ضمن مبادرة اجتماعية مع جمعية سيهات الخيرية - فرع الدمام. كما كانت له زيارات داخل المملكة وخارجها، حيث كان يحفّ به الصغير والكبير، ويغدق عليهما من خيره واهتمامه.

أما اهتمامه بالعلوم الدينية، فكان دوره في الحوزة العلمية بالأحساء بمثابة الشمعة المضيئة التي تحترق لتضيء ما حولها. ومن خصائص حكيم العلماء حبه للشعر والأدب، وإتقانه للغة العربية، وامتلاكه أذناً ناقدة تميّز اللفظ الشاذ من اللفظ الحسن، سواء من خطيب أو شاعر أو مقدم. كما كان يتمتع بذاكرة قوية، يرتجل الحديث في أي موضوع دون تحضير مسبق، مستحضراً آيات القرآن الكريم، والشعر، والأدب، والموعظة. وكما يُقال: كان يصنع من الكلمة محاضرة، ومن القصة شعراً.

ومهما تحدثنا عن المواقف والأحداث والمواطن التي مررنا بها معه، فلن نستطيع الإحاطة بكل ما يعبّر عن شخصه الكريم. غير أن الجرح الذي ألمّ بنا، والفقد الذي مررنا به، كان عظيماً، فقد رحلت الغيمة التي كانت تظلّلنا، ونشعر بوجودها حتى في أحلك الظروف. وحتى في مرضه، كان وجوده يمنحنا إحساساً بالأمان، بأن هناك عمامة عالمٍ نستند إليها في الأزمات والشدائد.

وفي الختام:

رحم الله من يقرأ سورة الفاتحة، ويهدي ثوابها لأرواح المؤمنين والمؤمنات، مسبوقة بالصلاة على محمد وآل محمد.