آخر تحديث: 24 / 1 / 2026م - 8:58 م

حبّة ملح

عماد آل عبيدان

لا تملك من الدنيا إلا أبناءها الثلاثة وحنجرتها الصادحة في مجالس العزاء ويدًا بأعصاب قوية لا ترتجف حين تمسك بالمغرفة الكبيرة لتغرف الطعام والشوربة ”الحساء“. لكنها رغم ذلك كانت تحكم البيت كأنها تدير بلدية صغيرة تلك هي أم غازي.

كان البيت قديمًا يتقاسمه الهدوء والبساطة ويملؤه صخب الأولاد وصوت صرير النوافذ ورائحة مرقة اللحم ”الصالونة“ كل يوم جمعة.

كبر غازي وكبرت الحياة حوله وهاجر أخوه الأكبر «سلمان» إلى أقصى المدينة ليبدأ حياته مع زوجته الجديدة بينما بقي الأخ الأصغر «فيصل» يتقاسم غرف بيت العائلة ذلك البيت المتقادم مع أمه.

لكن القصة لم تبدأ هنا.

بدأت حين بدأت تتغير العيون والظنون… ووجه من النفسيات تغير ايضا قليلا حين صار غازي يعود من زيارة أخيه سلمان بوجه متجهم عابس حيث يظل ساكتًا طيلة وجبة العشاء ولا يضحك على نكتة فيصل المكررة والمعتادة حول تلك الملعقة التي اختفت منذ أسبوع وكأن الطيور أكلت بها ثم اخذتها وطارت بها.

قالت له أم غازي ذات ليلة:

- غازي لماذا تأكل وتشرب الصالونة بطريقة كأنك غريب جالس في الغربة مو في بيتك؟

لم يجب.

قال فيصل وهو يقطع بعض الخبز بحنق:

- والله ما أدري ويش اللي يقوله لك سلمان في كل زيارة

بس واضح إنك ترجع وترجع وياك شنطة كلام ما هي لك!

وهنا تكلّم غازي بكلمات خرجت كأنها غبار قديم متجمع نفضه من زاوية قلبه:

- سلمان يقول إنك ما تشتغل من الأساس وإنك معتمد على البيت وأنا اللي أشتغل وأشقى!

- وأنا؟

اعتمد؟

يا أخي اشتغلت عشر سنين قبلك ولو لا أنا كان هالبيت من زمان طاح فوق روسنا!

تدخلت أمهم وهي تضرب بالملعقة على الطاولة بقوة جعلت الصالونة ترتعش:

- خلاص.. بس.. كافي! خذوا مني هالسالفة:

”الملح ما يعرف كم كلفك.. بس ينعرف طعمه يوم يختفي من الطبخة!“

سكت الأخوان.

كانت تلك الليلة بداية «التغيير». لم يتصارحا بعدها كثيرًا ولا تشاركا الشاي في تجمعات يوم الجمعة ولكن صار غازي يزور سلمان أكثر مما يزور البيت وصار فيصل يتأخر في الخروج ويجامل الهدوء بدلًا من أخيه.

مرت الشهور.

جاءت الفاجعة على هيئة ”وعكة برد“ لأمهم لم تفصح عن شدتها إلا بعد أن تسللت إلى عظمها وفي لحظة واحدة وجدا نفسيهما أمام السرير ذاته وأمهم تتوجع وتصرخ بينهما ورائحة القرفة تغزو المكان كأنها طوق نجاة من الذكريات الثقيلة.

بكت أم غازي وهي تقول:

- ما وجعتني الحرارة ولا المرض… اللي وجعني إنكم ما صرتوا تضحكوا مع بعضكم.

لم يتكلما. لكنها في لحظة من أمومتها الحارقة أمسكت بيد كل منهما وسحبتها بضعف ووضعتهما يد فوق الأخرى كمن يوقع اتفاقية سلام قلبية.

قال فيصل:

- أنا آسف وأسمح لي يا خوي يمكن ما كنت أعرف أشرح لك إني أشتغل بس بطريقتي.

وقال غازي:

- وأنا بعد آسف سمعت أكثر مما عرفت وصدقت قبل ما أسأل.

رحلت أمهم بعد أيام.

لكن بقيت ”المغرفة“ الملعقة والملح حاضرًا في الصالونة ومذاق الاخوة حين تتعكر ثم تصفى ويصبح كالماء… لا يروى إلا به.

واليوم — بعد سنوات من تلك الليلة — يجلس غازي وفيصل في فناء البيت ذاته يشربان الشاي ويضحكان على نفس النكتة القديمة.

يقول غازي لابنه:

- يا ولدي الملح إذا زاد يملّح وإذا نقص تذوق الفرق. بس لا تصدّق أحد يقول لك إن أخوك فاسد أو قلبه مو عليك قبل ما تتذوق حياتك من دونه.

ويهز فيصل رأسه موافقًا ثم يضيف:

- أخوك يمكن يزعلك… بس ما يبدلك ترى الأخو عضد وسند.