آخر تحديث: 24 / 1 / 2026م - 8:58 م

من أجل الإنسانية

أمير بوخمسين

في خضم تسارع الأحداث، وتلاطم الأمواج، وانكشاف الحقيقة والدوافع والنوايا، حيث أصبح المجرم والقاتل يتفاخر بلا خجل ومن دون حياء في ارتكاب الجرائم والقتل اليومي، ويتلذذ عندما يرى صور الجثامين متراكمة فوق بعض. فأي إنسانية نعيشها الآن؟ إنها وحشية الغاب واللا إنسانية!

ما يحدث في الكثير من دول العالم من قتل وذبح وتشريد وتهجير، من يقف وراءه؟ هل هناك ضمير إنساني يردع هؤلاء القتلة والمجرمين الذين لا يزالون يعيثون في الأرض فسادًا؟ ومتى يصحو الضمير الإنساني لوقف هذه الجرائم والمجازر التي لن تتوقف إذا لم تجد من يردعها ويوقفها؟ فالعالم يعيش حالة من الغليان والانفجار، ولعل الجميع يرى أمامه بمرأى العين، عبر شاشات التلفزة وعبر مختلف قنوات التواصل الاجتماعي، جرائم القتل والذبح على الهوية.

إن الخطورة في المستقبل تكمن عندما تتربى أجيال كثيرة على ممارسة هذه الأفعال المشينة، التي تجد أن ممارسة هذه الأعمال مشروعة، بحكم ممارستها من قبل آبائهم. هنا يدق ناقوس الخطر، ويتحول المجتمع إلى مجتمع متوحش، كما نرى في الكثير من الدول التي تعيش حالة الانهيار والتوحش الذي تمارسه هذه الجماعات المجرمة.

هذه الوحشية ليست طارئة، إنما هي نتيجة تراكم طويل من الظلم، وتقديس السلاح، وتطبيع الكراهية، وسياسة من آمن العقاب، وجعل الإنسان سلعة تباع وتشتري. حين يصبح الربح أعلى من الحياة، والنفوذ أعلى من العدالة، يفقد الدم حرمته وقداسته، ويصير رقمًا في تقرير ما، أو لقطة في نشرة الأخبار.

لذلك، ما هي مسؤوليتنا ودورنا في إنقاذ أبنائنا؟ هل نكتفي فقط بالنصح الشفهي والإعلامي؟ أم من خلال تفعيل القوانين والشرائع التي تحكم الناس وتتحكم في تصرفاتهم، أم نكتفي بوضع المناهج والبرامج المتكاملة لتوعية مجتمعنا وتنبيهه للآثار المدمرة التي ستحل بالمجتمع، في حال لا سمح الله عمت الفوضى؟

إن مواجهة التطرف تتطلب جهودًا متعددة المستويات، ويمكن تلخيص بعض الاستراتيجيات الأساسية في النقاط التالية:

1. التعليم والتوعية، عبر تعزيز التعليم الجيد، وتعليم قيم التسامح وفهم الثقافات المختلفة، وتقديم ورش عمل ودورات تدريبية حول الفكر النقدي.

2. الخطاب الديني المعتدل، من خلال دعم واستثمار الخطاب الديني الذي يشجع على السلام والحوار، وتعزيز دور العلماء والمفكرين في تصحيح المفاهيم الخاطئة.

3. توفير الفرص الاقتصادية، عبر خلق فرص العمل للشباب، وتعزيز التنمية الاقتصادية في المجتمعات المهمشة، وتقديم الدعم للبرامج التي تحفز ريادة الأعمال.

4. تعزيز التواصل بين المجتمعات، بتنظيم لقاءات وفعاليات مشتركة بين مختلف الثقافات لتعزيز الفهم المتبادل، وتشجيع مبادرات الحوار بين الأديان.

5. الرصد والتدخل المبكر، عبر تطوير أنظمة لرصد الأنشطة المتطرفة والتدخل قبل أن تتطور إلى أعمال عنف، والتعاون بين الجهات الحكومية والمجتمع المدني لمكافحة الفكر المتطرف.

6. دعم الضحايا، بتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا الذين تعرضوا للتطرف أو العنف، وخلق بيئات آمنة للتعافي وإعادة الاندماج في المجتمع.

7. الاستخدام الفعال للتكنولوجيا، باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الرسائل الإيجابية ومكافحة الدعاية المتطرفة، وتطوير برامج تعليمية عبر الإنترنت لمكافحة التطرف.

تتطلب هذه الاستراتيجيات تعاونًا بين الحكومات، والمنظمات غير الحكومية، والمجتمعات المحلية، والأفراد لضمان تأثير فعال ومستدام.

إن وضع القوانين الصارمة وضبط الأمور أمر ضروري وحتمي من أجل حماية العالم من الأشرار. فتلك القوانين والمواثيق الدولية التي صيغت لحماية الكرامة الإنسانية، يتطلب تنفيذها الالتزام والتقييد بها عبر وضع قوانين صارمة تدفع الأطراف إلى تطبيقها، وهو أمر بالغ الأهمية، وشيء لا بد منه، وإلا بقيت هذه المواثيق حبيسة الورق، مجزية في النصوص، لكنها ضعيفة في التطبيق، تستدعى حين يكون الضحية ضعيفًا، وتهمل حين يكون الجاني قويًا.

وهذا ما شاهدناه في السنوات الأخيرة، حيث تحولت كافة الاتفاقيات إلى حبر على ورق، ولم يعد يلتزم بها.

إن دور التوعية الحقيقية، عبر وضع برامج ومناهج وضوابط، يسهم في بناء مناعة أخلاقية داخل الأجيال.

برامج تعلمهم أن رؤية الظلم لا تعني القبول به، وأن فهم العنف لا يعني تبريره، ومناهج تمنحهم القدرة على التفكير، وعلى السؤال، وضوابط تصنع جيلًا إنسانيًا ينشأ على التعاطف لا الشماتة، وعلى الاعتراف بإنسانية الآخر لا نزعها عنه. سيكون هذا كفيلًا بحماية العالم من كل سوء.