آخر تحديث: 2 / 4 / 2026م - 7:56 م

مزمار الحي يطرب إن أنصتنا..

عبد الله صالح الخزعل

في مواسم الأعياد والمناسبات، تتلألأ صور العائلات وهي تجتمع حول الموائد العامرة، تتبادل الأحاديث والابتسامات، وتوثّق اللحظات بعدسات الهواتف لتبقى ذكرى حيّة في الذاكرة. هذا المشهد البهيّ ليس مجرد اجتماع أجساد حول أطباق، بل هو رمزٌ لوحدةٍ ودفءٍ نحتاج أن نمدّه من المائدة إلى القلوب.

فكما تلتف الأيدي حول الطعام، يا حبذا لو تلتف النفوس حول قيم الحب والخير، فيغدو اجتماعنا أكثر من مجرد صورة تُنشر، بل رسالة تُعاش. إنّ جمال العائلة لا يكتمل باللقاء وحده، بل بالاحتفاء بمن يضيئون الدرب بخدمتهم وعطائهم، أولئك الذين يعملون بصمتٍ وإخلاص، ويستحقون أن نرفعهم بقلوبنا كما نرفع الأكف بالدعاء.

وهنا يطلّ علينا المثل الشعبي القديم: ”مزمار الحي لا يطرب“. وهو تعبير عن تلك المفارقة التي تجعل المبدع أو الخيّر في محيطه أقل تقديرًا من الغريب، وكأنّ القرب يُفقد العيون دهشتها، ويجعلها عاجزة عن رؤية الجمال في من اعتادت عليه. كم من أشخاصٍ بارزين في العائلة أو المجتمع قدّموا خدمات جليلة، لكنهم لم يجدوا إلا التهوين أو التجاهل، بينما نالوا التقدير من خارج محيطهم.

في كل عائلة، وفي كل مجتمع، هناك وجوه بارزة تحمل على عاتقها عبء العطاء، وتنسج بخيوط الصبر والجدّ لوحة من الخير والخدمة. هؤلاء لا يطلبون ثناءً ولا يسعون وراء شهرة، بل يقدّمون أعمالهم بصدقٍ وإخلاص، كمن يغرس شجرةً في أرضٍ قاحلة، منتظرًا أن يستظل بها غيره.

إنّ هؤلاء المبدعين يستحقون أن نرفع لهم القبعة، وأن نمدّ لهم يد العون، لا أن نكسر أجنحتهم. فالمجتمع الذي يكرّم أبناءه المخلصين، ويشجّعهم على الاستمرار، إنما يزرع بذور النهضة في أرضه، ويؤسس لثقافةٍ تُلهم الأجيال القادمة. وما أجمل أن يكون هذا التكريم في حياتهم، وهم بيننا، لا أن ننتظر رحيلهم لنستحضر ذكراهم. فالتقدير في أوانه حياةٌ تُمنح، لا مجرد كلمات تُقال بعد الفقد.

علينا أن نتعلّم أن الشكر لا ينقص منّا شيئًا، بل يزيدنا رفعةً ونقاءً. وأن التقدير لا يُضعف مكانتنا، بل يقوّي روابطنا ويجعلنا أكثر إنسانية. أمّا الغيرة والحسد، فهما سمّان يقتلان روح الجماعة، ويطفئان نور المبدعين.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 2 / 4 / 2026م - 4:33 م
أسعد الله أوقاتك أستاذ عبدالله،
وأشكرك على هذا المقال الذي يصدق عليه ما قلّ ودلّ؛ فقد جمع بين الإيجاز والعمق، وأصاب لبّ الفكرة دون إطالة. وإن أردت الحق، فإن ثقافة الشكر في مجتمعنا ما زالت بحاجة إلى تعزيز وترسيخ، فهي قيمة تُهذّب النفوس وتُقوّي الروابط، لكنها للأسف لا تُمارَس بالقدر الذي تستحقه.
ومع ذلك، أوجّه رسالة للطرف الذي يستحق الشكر: لا تدع الإحباط يثنيك عن العطاء. فكل ما يقدّمه الإنسان لمحيطه العائلي أو الاجتماعي هو في النهاية عملٌ يُرجى ثوابه الأخروي قبل أثره الدنيوي. ثم إن ثقافة العطاء في جوهرها تعود بالنفع على المعطي نفسه، وتنعكس على صحته النفسية قبل أن تصل إلى الآخرين — إن صحّ التعبير.
ولنا في المجتمعات الغربية مثال واضح؛ فالكثير منهم يقدّم جزءًا كبيرًا من ثروته لا اتكالًا على الثواب الأخروي كما هو الحال لدينا، بل إيمانًا بأن العطاء يعود على النفس بالسلام والرضا، وأن الخير الذي تبذله يعود إليك بطريقة أو بأخرى.
مرة أخرى، أشكرك أستاذ عبدالله، وبارك الله في عطائك.