آخر تحديث: 2 / 4 / 2026م - 7:56 م

الاستغفار والدعاء في يوم الخميس… زادُ القلوب إلى ليلة الفيض

يأتي يوم الخميس كموعدٍ يتجدّد فيه النداء الإلهي للعودة، وكأنّه محطة صفاءٍ قبل حلول ليلة الجمعة، حيث تتنزل الرحمة وتفيض الأنوار على القلوب المستعدة. وليس هذا اليوم كغيره من الأيام، بل هو زمنٌ يتهيأ فيه المؤمن لتزكية نفسه، ومراجعة أعماله، وإعادة ترتيب علاقته بربه، ليكون أهلاً لاستقبال الفيوضات الإلهية.

ومن أعظم ما يُستفتح به هذا اليوم ويُختم به هو الاستغفار، ذلك الباب الواسع الذي لا يُغلق، والذي يدخل منه العبد إلى رحاب القرب، مهما أثقلته الذنوب. فالاستغفار ليس مجرد لفظٍ يُردَّد، بل هو حالة شعورية من الندم والرجوع والانكسار، يُعلن فيها العبد عجزه، ويعترف بتقصيره، ويستجير برحمة ربه.

وقد ورد أن يُستغفر في آخر كل خميس بهذا الاستغفار الجامع:

«أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي‏ لا إِلهَ إِلَّا هُوالْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ وأَتُوبُ إِلَيْهِ تَوْبَةَ عَبْدٍ خَاضِعٍ مِسْكِينٍ مُسْتَكِينٍ، لَا يَسْتَطِيعُ لِنَفْسِهِ صَرْفاً ولَا عَدْلًا ولَا نَفْعاً ولَا ضَرّاً ولَا حَيَاةً ولَا مَوْتاً ولَا نُشُوراً، وصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وعِتْرَتِهِ الطَّاهِرِينَ الْأَخْيَارِ الطَّيِّبِينَ الْأَبْرَارِ، وسَلَّمَ تَسْلِيماً.» [1] 

إنها كلمات تختصر حقيقة العبودية، وتُسقط عن القلب أوهام القوة والاستغناء، وتردّه إلى مقام الفقر الحقيقي بين يدي الله تعالى.

وإذا كان الاستغفار تطهيرًا، فإن الدعاء بعده بناءٌ وتعمير. ففي آخر نهار الخميس، يقف المؤمن بين يدي ربه، رافعًا كفّيه، مستشعرًا عظمة الخالق وسعة ملكه، متوسلًا إليه بما يليق بجلاله، فيقول:

«اللَّهُمَّ يَا خَالِقَ نُورِ النَّبِيِّينَ، ومُوَزِّعَ قُبُورِ الْعَالَمِينَ ودَيَّانَ حَقَائِقِ يَوْمِ الدِّينِ، والْمَالِكَ لِحُكْمِ الْأَوَّلِينَ والْآخِرِينَ، والْمُسَبِّحِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، والْعَلِيمَ بِكُلِّ تَكْوِينٍ، أَشْهَدُ بِعِزَّتِكَ فِي الْأَرْضِ والسَّمَاءِ، وحِجَابِكَ الْمَنِيعِ عَلَى أَهْلِ الطُّغْيَانِ، يَا خَالِقَ رُوحِي ومُقَدِّرَ قُوتِي، والْعَالِمَ بِسِرِّي وجَهْرِي، لَكَ سُجُودِي وعُبُودِيَّتِي، ولِعَدُوِّكَ عُنُودِي، يَا مَعْبُودِي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وأَنْتَ حَسْبِي‏ ونِعْمَ‏ الْوَكِيلُ.» [2] 

هذا الدعاء ليس مجرد ألفاظ، بل هو إعلان ولاءٍ وتوحيد، وتجديد عهدٍ مع الله، ووقفة صدقٍ تعيد للروح صفاءها، وتملأ القلب يقينًا وطمأنينة.

ويزداد هذا اليوم هيبةً وعظمة حين نعلم أن الأعمال تُعرض فيه، كما ورد عن الإمام الباقر : «إنّ الأعمال تُعرض على نبيّكم كل عشية الخميس»، فكيف يرضى المؤمن أن يُعرض عليه عملٌ قبيح؟ وكيف لا يستحيي أن يرى نبيّه ما لا يرضي الله؟ هنا يتحول يوم الخميس إلى مرآةٍ صادقة، يرى فيها الإنسان نفسه، فيُحسن ما استطاع، ويستدرك ما فاته، ويستغفر عمّا زلّ.

غير أنّ المؤلم أن كثيرًا من الناس يغفلون عن هذه النفحات، فيمضي الخميس كغيره، أو يُملأ بما لا ينفع، وربما بما يثقل الصحائف. ولو أدركوا ما فيه من خير، لجعلوه يوم توبةٍ وإنابة، ويوم صفاءٍ ومراجعة.

إن الاستغفار والدعاء في هذا اليوم ليسا عملين منفصلين، بل هما مسارٌ متكامل، يبدأ بالتطهير وينتهي بالتقرب، يهيئ القلب لاستقبال ليلة الجمعة بقلبٍ حيّ، ونفسٍ مطمئنة.

فطوبى لمن جعل من يوم الخميس موعدًا مع الله، يجدد فيه عهده، ويغسل فيه قلبه، ويتهيأ فيه لنفحات الرحمة، فإن من صدق في التهيؤ، صدق الله معه في العطاء، ومن أقبل على الله، أقبل الله عليه برحمته ولطفه وفضله.

[1]  [2]  جمال الأسبوع للسيد ابن طاووس ص 185
استشاري طب أطفال وحساسية