آخر تحديث: 2 / 4 / 2026م - 8:13 م

الكلمة الأخيرة

عبد الغفور مغوار *

تسقط المدن
كأوراق خريف زائل،
وتبقى الكلمات
تنبت في رماد الأزمنة.

كل مدينة تحترق
تغرق
تسقط ...
تترك للشعر
نافذة من دخان،
ليكتب التاريخ
على كتف الغمائم.

الكلمات
لا تموت مع الحيطان.

سقطت بابل
وسكتت حدائقها المعلقة،
لكن الطين الذي تعلم الكتابة
لم ينس
اسم الإنسان.

غابت غرناطة
في ضباب الترحال،
لكن الماء الذي مر في حدائقها
ما زال يغني
للأقحوان.

وغاصت أطلانتس
في نوم البحر،
وابتلع الرماد بومبي،
والأحافير
ما زالت تقرأها الريح.
وبقي صدى الألواح
والطوب 
يهمس في طين الفجر.

كم مرت من جيوش
مر نبوخذ نصر
وسنحاريب
وبومبيوس
وترايان
فوق الحجارة،
لكن حبر القافية
عمر أطول
من سيوفهم،
أعلى مما ارتفعت 
ارتفع
عجاج الطعان.

الكلمات
لاتزال تمشي بعكاز الذاكرة،
وتحمل جراح الأزمان
كأنها أنبياء صغار،
كانت تختبئ
في صدر شاعر
ينصت
لنبض الأرض.

حين يخر السيف متعبا
في ساحة الوغى،
ينهض الحرف
كما نهضت طروادة
من رماد الأسطورة،
قصيدة
تغني للسماء
نشيد البقاء.

وفي مساء بعيد
جلست بغداد
على ضفة دجلة
تعد نجوم المعرفة.
كان الوراقون
يجمعون العالم
في المحابر.

هو الشعر صديقي
ذاكرة التراب
حين يشيخ التاريخ.

لما أحرقت الكتب
في ساحات الطغيان،
كتب الشاعر
على الهواء
وصية الضوء،
كما فعل 
حكماء الأندلس
فبقيت الشرارة
تتنقل بين الأذهان.

كم دمعة
سقطت من عين الزمان،
فجاء الحرف
يمسح خدها
بمنديل الحكاية.
ويعيد للوجوه الضائعة
أسماءها الأولى،
كما أعاد جلجامش
للخلود سؤاله القديم
عند بوابة البحر.

الحرب
تمزق جسد الأرض،
والكلمة
ترقع خرائط القلب.
تعيد للسنابل
ابتسامتها المؤجلة،
وتخبئ للطفل
لعبته الصغيرة
في جيب الغد.

لا تخف صديقي...
فالشعر
سيف من ضياء.
يقطع ليل الصمت
بلا دم،
ويعلم الموتى
كيف ينهضون
من كتب الذاكرة،
كلما ظن الرماد
أنها النهاية
نهضت الكلمات
مثل العنقاء.

ففي آخر الليل
حين يهدأ العالم
وتنام المدافع،
مثل ريح عابرة 
سيأتي النسيان.

لكن الكلمة الأخيرة
ستبقى للشعر
نجما
يعلق جرح الليل
في سماء المغزى،
ويقول للعالم
بعد أن تهدأ الحروب:
لقد مررنا من هنا،
كما مر العابرون
بين أور
وظلال الأهرام،
لكننا تركنا
في تراب الأرض
أثر الإنسان.

قاص، شاعر، ناقد، مترجم وباحث من المغرب