مشاطرة وجع في رحيل الغالية
يسكنني صداعٌ شديد، وأشعر بألم في ضلوعي أثقلَ قلبي بوجعٍ كبير؛ أحاول إبعاد تلك الأصوات واللحظات المؤلمة بإغلاق عيني بقوة، لكنها تعود في الظلمة بوضوح أكثر وتفاصيل أدق ووجع أعمق. ضاقت نفسي ونزلت دمعتي متجاوزة رموشي التي لم تفتح بعد، فتحت عيني لأحرر باقي الدموع العالقة داخل جفني المتورم، وقررت أن أحاول جر أصابعي الجامدة لأكتب تعزيتي إلى أخي الغالي «عدنان» الذي فقد أغلى وأثمن روح في هذه الحياة؛ «والدته الغالية»، رحمها الله برحمته الواسعة.
برداء أبيض ورائحة الكافور وجسد ساكن على المغتسل، كانت تنتظر زوجها وأولادها وعائلتها لوداعهم الأخير، لتُحمل بطمأنينة إلى بيتها الجديد في تشييع مهيب يليق بها. دقائق الوداع الأخير صعبة جداً، لا يتحملها القلب؛ صدمة عظمى أن هذا اللقاء لا لقاء بعده، وأنها بعد ذلك ستكون في مكان بعيد، وهذا الوجه النائم سيكون آخر صورة ترتسم في ذاكرتهم للأبد، وقبلة الوداع على الجبين هي آخر حضن دافئ وحنون يجمعهم بها. وبين الدموع والصرخات يرتمون على والدتهم متمسكين بها، يتوسلونها أن تفتح عينيها وتستفيق.
قلبي اعتصر ألمًا وأنا أرى دموع المجتمعين من أهلها حول قبرها وهم ينثرون التراب الأخير؛ زوج يودع من شاركته دروب السنين، والآن تركته يسير وحيداً، وأخ تجمدت عيناه على القبر الذي دُفن فيه أعز الإخوة.
أخوة وشقاوة الطفولة ومحبة خاصة لشقيقتيه، وانكسار أب يرى قطعة من كبده التي أحاطته بمحبتها ودلالها تُدفن أمام ناظره دون وداع. كانت عيناي تحومان حول ولدها عدنان الذي كانت والدته تنتظر اليوم الذي ترى فيه حفل زفافه؛ كانت صرخاته صرخات قلب تكسر وانتثر كزجاج مكسور. ستكون هذه الليالي هي الأصعب للجميع، إذ تغمر الأيام الوحشة ليلاً ونهاراً.
إنني أدرك أنه لو كانت هناك أمنية واحدة في ذلك الوقت، لتمنى أحباؤها جميعاً أن تعود للحياة. رحلتْ ولكن البيت بعدها لن يكون كما كان، رحلتْ وبدأت رحلة الاشتياق المؤلم ومرور شريط الذكريات، رحلت بحسرة في القلب إلى الأبد.
عزيزي عدنان، هناك الكثير من المشاعر والآلام والأوجاع تبقى مكبوتة كنيران بداخلنا لا يمكن وصفها أو تحريرها؛ لأنها تصل بنا حد النخاع، لكن منافذ صغيرة كالبكاء قد تخفف عنها قليلاً. ستمر بك وإخوتك مشاعر مختلطة، بين عواصف من الحزن والغضب والبرود وفقد الرغبة والصمت الذي يميل للعزلة. سترون الحياة رمادية بعدما كانت ملونة ببسمة الوالدة الحنون من حولكم؛ ستشعر تارة أنك طفل صغير تَيَتَّم وفقد الحنان والرعاية ويحتاج لمسة حانية من والدته، وتارة أخرى ستشعر أنك هرمت في العمر حتى أن ملامحك ستتغير نضجاً وكبراً.
منذ الدقيقة الأولى بعد الرجوع من المقبرة ستفتحون باب البيت ولن تجدوها؛ ستشعرون أن هذا البيت فارغ وموحش وحزين وصمته قاتل، لا قيمة لأي شيء بداخله. ستبدؤون بتذكّر الكثير من الذكريات التي لن تستأذنكم في استحضارها؛ ستتوهمون سماع صوتها وضحكاتها وهيئتها وهي تتنقل بين الغرف، تترقبون دون وعي اتصالاً من رقم هاتفها، وتتصفحون صورها تتأملونها بكل تفاصيل وجهها وسيدور بينكم وبينها حوار صامت، تخبرونها بكل الكلام الذي تمنيتم لو قلتموه وهي بينكم. ستصبح كل مقتنياتها حتى البسيطة إرثاً غالياً؛ فقدها مثل شعور بكاء الجنين عند خروجه من رحم أمه الدافئ، هو انقطاع الحبل السري المغذي بينهما.
عزيزي عدنان، ستكون الأيام القادمة ثقيلة جداً عليكم.
لقد رحلت نور البيت، وانطفأت الروح التي كانت تحرسكم جميعاً بفيض حنانها وعظيم عطائها؛ تلك التي كانت تخشى عليكم وتتابع أدق تفاصيل حياتكم، وتهتم بكل صغيرة وكبيرة. غادرتْ وانطفأ النور والضياء لتحل عتمة فيها بصيص من النور باقٍ من ذكرياتها. كان البيت بوجودها جنة مصغرة يحتمي بها الجميع بسلام في فوضى هذه الحياة.
بعد تلك الأيام المثقلة بمرارة الفقد، سيبدأ أثر الرضا بقضاء الله وقدره الذي تؤمنون به ببسط ظلال السلوان على قلوبكم المتعبة، ومفعول القناعة بأن لله ما أعطى وله ما أخذ، بنثر الطمأنينة على أرواحكم المجهدة، وأن نتيجة صبركم أمام هذا الابتلاء العظيم ستثمر جبراً إلهياً يرمم خواطركم المتألمة. وكما وعدنا الله في كتابه الحق:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].
نعم، هي تلك الرحمة الربانية التي تمسح على قلوب الفاقدين برفق، وتهدئ من روع أنفسهم حين يضيق بهم العالم. الفقد عظيم، ولكن لنا رباً هو أكرم من أن يرى عبده يتألم ولا يجبره، فيرزقه مع العسر يسراً يعينه على تجاوز البلاء؛ ليشكر العبد ربه حين النعم وحين البلاء.
عزيزي عدنان، انطفأت شمعة والدتكم الغالية بجسدها، لكنها تركت خلفها أربع شعلات مضيئة: «عدنان، محمد، مريم، زينب»؛ أنتم يا أحبائي النور الذي سيجعل ذكرها حياً في الدنيا، والأرواح التي ستجعل البيت عامراً بذكرها. غيابها اليوم هو غياب مادي، أما روحها فستظل بعمق في قلب كل واحد منكم.
ستبدأ رحلتها ببيتها الجديد وتحتاج البر منكم، وإن أجمل ما تهدونها إياه هو تمسككم ببعضكم البعض بحب صادق كعائلة واحدة، وكونكم السند لوالدكم الغالي. هذا هو الأمل الذي كانت تأمله منكم، وكل نجاح وتفوق ستحققونه، وكل خلق طيب، هو ما يجعل العالم يرى أثر تربيتها فيكم، فيترحموا عليها كلما رأوا الخير والأخلاق العالية منكم.
يعزّ على قلبي هذا الفقد، ووداع روحٍ لم أرَ منها إلا جميلاً وطيب المعشر. سأظل أذكرها بالخير دائماً، فقد غمرتني بتعاملها وأخلاقها الطيبة، ومنحتني من الاحترام والتقدير ما يدل على أنها اعتبرتني فرداً من عائلتها. رحمها الله وجعل النور والسرور يستقبلانها في دارها، وأعان قلوب محبيها وجبر كسر قلوبهم جبراً يليق بجلاله.











