هل العربية عرقٌ أم لسان؟ فتنة العلم وحدود الهوية في نص عبد الله الغذامي
في مقاله المنشور في صحيفة ”الشرق الأوسط“ بعنوان ”هل العربية عرقٌ أم لسان؟“ «15 يونيو 2026»، يطرح الناقد السعودي عبد الله الغذامي سؤالًا يبدو في ظاهره لغويًا، لكنه يخفي تحته سؤالًا عن الهوية والانتماء وطبيعة المعرفة نفسها: هل تُفهم العربية بوصفها نسبًا عرقيًا، أم بوصفها لسانًا ومعنى وانتماءً ثقافيًا؟
يفتتح الغذامي نصه بتقرير يحمل وزنًا إبستمولوجيًا واضحًا، إذ يكتب: ”لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع“، مؤكدًا أنه ”ظلّ وفيًا لفكرة العلم بالمطلق“. غير أن هذا اليقين يتعرض للاهتزاز حين يستمع الكاتب ”مصادفة“ إلى مقاطع متتالية للعالم الراحل بشار عواد معروف، وهو ما يصفه بأنه ”جرس تنبيه“ كشف له ”خطل ظنه“ بأن لا علم ضارًا. هذه الحركة من اليقين إلى المراجعة هي البنية الداخلية التي يقوم عليها النص كله.
يصف الغذامي بشار عواد معروف بأنه ”عالم وباحث جسور ومخلص لشرطه العلمي“، نذر نفسه لخدمة التراث العربي ”تحقيقاً وبحثاً ودراسة“، لكنه — في نظره — ”وقع في فتنة العلم“. وقد تكشّفت هذه الفتنة، بحسب الغذامي، حول قضية واحدة محددة: مقولات لباحثين عرب ومستشرقين مفادها أن عدد ”العجم“ — أي المستعربين ممن خدموا العربية والإسلام — أكثر من العرب في خدمة القرآن واللغة. وكان بشار عواد وعمّه ناجي، بحسب النص، ”من المتحمسين وباذلي الوقت والجهد لنفي هذه الدعوى“.
هنا يعلن الغذامي موقفه بوضوح: هذا القول ”لا يثير عندي أي حساسية علمية ولا قومية“، بل ”كنت وما زلت أباهي بمثل هذا القول“، ويراه ”مزية وليس مثلبة نسعى لنفيها عن سوء ظن منا بأنها تهدم هرم الثقافة العربية“. وهذه العبارة تكشف الانتقال الأهم في بنية النص: من الدفاع عن نقاء الهوية إلى تفكيك فكرة النقاء ذاتها.
ولتوضيح خطورة هذا الانغلاق، يلجأ الغذامي إلى تشبيه لافت يستخدمه كحجة بلاغية لا كمقارنة تاريخية صارمة: مقارنة هذه الدعوى بافتراض أن ”اليهود والأفارقة هم من صنعوا أميركا“، مستحضرًا أن تشومسكي يهودي، وكيسنجر يهودي، ومارتن لوثر كينغ أفريقي، بل إن ترمب نفسه ”ابن مهاجرَين“، ولغة أميركا ”مستعارة من الإنجليز“. ويعلّق الغذامي بأن هذه المعلومات ”صحيحة من جهة ومغلوطة من جهة أخرى“؛ فالإنجليزية تأمركت، وهؤلاء الأشخاص تأمركوا، ولم يعد العرق ولا الدين ولا اللون يُلغي صفة الانتماء الأميركي، ”لأن كل منجز يتحقق منهم هو منجز أميركي بالحتمية الثقافية“، إذ ”الثقافة نسب ومعنى وجذر معنوي يصنع ويعلي كل قيمة“.
ولتعزيز هذا التصور تاريخيًا، يستحضر الغذامي التجربة العباسية بوصفها مثالًا ”مجيدًا“ تداخلت فيه ”الأعراق وألوان الوجوه ولهجات الألسنة وتعدد المشارب داخل بنية كلية شاملة“، ومنهم ”الفارسي والرومي“ ومن ”الأعراق القديمة من شعوب ما بين النهرين وشمال أفريقيا“ — ومع ذلك، ”منجزاتهم كلها هي منجزات عربية في حقبة عربية مجيدة“.
كما يستدعي النص تصنيف ابن خلدون للعرب إلى أربعة أنواع: العرب العاربة، والعرب المستعربة، والعرب التابعة للعرب، والعرب المستعجمة. ومن خدم تراثنا وثقافتنا، بحسب الغذامي، ”لن يخرج عن واحدة من هذه الفئات“. ويشير النص أيضًا إلى أن مصطلح ”المستشرقين“ بات يُستبعد لارتباطه بالاستعمار، ليحل محله مصطلح ”المستعرب“.
ويبلغ الاستدلال ذروته الدينية حين يستشهد الغذامي بالحديث الشريف: ”ليست العربية بأب لأحدٍ منكم أو أمّ، وإنَّما هي اللسان؛ فمن تكلم العربية فهو عربي“. ويقرّ الكاتب بأن بعض المحدّثين شكّكوا في صحته، فيما أثبته آخرون، ”لكن الجميع يتفقون على مطابقة معناه للقيم الإسلامية الجوهرية“. وعلى هذا الأساس يخلص إلى أن ”كل باحث ومعجمي ومحدث وفقيه وفيلسوف يكتب بلغتنا ويشتغل بفكرنا فهو عربي بالانتماء الثقافي وبالمنتج العلمي“، وأن اللغة ”بوتقة صاهرة تذيب كل التمايزات العرقية واللونية والدينية“.
غير أن النص لا يكتفي بإعلان هذا الانفتاح، بل يذهب إلى الجانب الآخر من المعادلة: ”ولا شك أن للعلم جوانبه السالبة“، إذ قد تحدث ”فتنة العلم“ نتيجة ”تخمة علمية حين يستولي علمنا على أذهاننا“. ولتجسيد هذه الفكرة، يروي الغذامي واقعة دالّة جرت عام 1980 في مكتب الشاعر صلاح عبد الصبور بـ ”الهيئة المصرية العامة للكتاب“، حين صدر العدد الأول من مجلة ”فصول“ المتخصصة بالنظرية النقدية الحداثية. وقعت المجلة بيد الناقد محمود شاكر، فصدمته مصطلحاتها ونظرياتها التي رآها ”حالة عجمة وليست حالة علمية“، فجاء إلى المكتب حاملًا المجلة وهزّها أمام صلاح عبد الصبور قائلًا بصوته ”القوي والبليغ“: ”أنا لم أفهم كلمة واحدة مما نشرتم هنا؛ فهل تتصورون أي قارئ شاب سيفهم عنكم...؟!!“. واختار عبد الصبور، تقديرًا لمكانة شاكر، أن يجيبه: ”معاك حق يا مولانا“، لكنه علّق بعد خروج شاكر بقوله: ”هذا رجلٌ أضرَّ به علمه“. وينقل الغذامي أنه سمع هذه القصة من الناقد صلاح فضل، الذي كان حاضرًا يومها بصفته أحد أعضاء هيئة تحرير المجلة.
هذه الواقعة، كما يقدّمها الغذامي، ليست استطرادًا بل هي جوهر النص غير المعلن: ”ما نكتسبه من علمٍ يتجذر فينا حتى ليستحوذ على أذهاننا ويدير ردّ فعلنا“، وكل جديد يصطدم بأنظمتنا الذهنية ”سيشكل سياجاً ضد الطارئ المتحدي لقناعاتنا العميقة“. وبذلك لا يعود الخلاف بين ”علم نافع“ و”علم ضار“ خلافًا بسيطًا، بل يرتبط بطريقة تلقي المعرفة نفسها وقابليتها للانفتاح أو الانغلاق.
من خلال هذا المسار، تتشكل أطروحة النص حول ثلاثة مستويات مترابطة: العلم ليس محايدًا بالكامل في أثره، بل قابل لأن يتحول إلى سلطة معرفية مغلقة حين يستحوذ على صاحبه؛ والهوية ليست عرقًا ثابتًا، بل بنية ثقافية وتاريخية متعددة الطبقات كما بيّن ابن خلدون؛ واللغة ليست أداة وصف محايدة، بل ”بوتقة صاهرة“ تنتج الانتماء والمعنى.
ما يقوم به الغذامي هنا ليس الدفاع عن العروبة بقدر ما هو نقل لسؤالها: من ”من يملك العربية؟“ إلى ”كيف تُنتج اللغة معنى الانتماء؟“، بوصفها فعلًا ثقافيًا متجددًا لا أصلًا عرقيًا ثابتًا.
ومع قوة هذا البناء الحجاجي، يظل النص معلّقًا بين موقفين لا يخلوان من توتر: فالغذامي يميل أحيانًا إلى تأويل الجدل حول مساهمة العجم في خدمة التراث العربي — وهو نقاش علمي توثيقي مشروع أصلًا — بوصفه ”فتنة“ بحد ذاته، وهو تحول تأويلي عنده أكثر منه حسمًا نهائيًا للمسألة، قد يراه قارئ آخر تسرّعًا في إغلاق نقاش لم يُستنفد بعد. كما أن مقارنته بأميركا، رغم قوتها البلاغية، تطرح إشكالًا حين تُؤخذ حرفيًا: أميركا أمة مهاجرين حديثة التكوّن بإقرار ذاتي، بينما العروبة الثقافية التي يصفها الغذامي تتأسس على رواية تاريخية أقدم وأكثر تعقيدًا، تشمل أيضًا حقبًا من التوتر العرقي - اللغوي لم يستحضرها النص.
في النهاية، لا يقدّم الغذامي جوابًا حاسمًا بقدر ما يعيد تشكيل طريقة طرح السؤال نفسه، جامعًا بين شاهد شخصي «واقعة بشار عواد»، وديني «الحديث الشريف»، وتاريخي «التجربة العباسية وابن خلدون»، ونقدي ذاتي «واقعة محمود شاكر» — لا ليغلق النقاش، بل ليُخضع أدواته المعرفية نفسها للمساءلة. وهكذا يبقى النص معلّقًا، بقصد، بين الانفتاح الثقافي والخشية من انغلاق المعرفة على ذاتها، تاركًا للقارئ استكمال الإجابة لا تلقّيها جاهزة.













