آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 5:26 م

لاحظ حلالك

المهندس أمير الصالح *

النفس البشرية بالإجمال، إلا ما رحم ربي، ميالة للهو والكسل واللعب والتأجيل والتسويف والأخذ دون العطاء؛ ولذا تنساب فرصٌ كثيرة من أيدي الأغلب من الناس، في حين نسجل عددًا قليلًا ومميزًا من الناس يقتنصونها ويبدعون في تحقيق أهداف سامية، ويشار إليهم بالبنان، ويصبحون رموزًا للنجاح أو الكفاح أو البناء أو التقوى أو سمو الأخلاق والهمة. أولئك الأشخاص المميزون تميزوا ليس بسبب طول ساعات نومهم، ولا كثرة تسكعهم في المولات، ولا كثرة كسلهم، ولا بكثرة لهوهم، ولكن تميزوا بعدما نجحوا، بمساعدة آبائهم وأمهاتهم، إلى جانب أنفسهم بعد توفيق الله، في لجم شهواتهم وتسخير طاقاتهم وقوة إصرارهم وحسن انضباطهم وسرعة اتخاذ قراراتهم وطول نفسهم وصلابة عزيمتهم وتراكم إنجازاتهم، وتجسد روح العطاء فيهم، حتى لو كانوا من أوساط عوائل منسية أو مهمشة، أو ترعرعوا في أوساط ظروف قاسية. يُنسب إلى الإمام علي قوله: «جاهدوا تورثوا أبناءكم عزًا». والعز لا يأتي اعتباطًا، بل بعد رحلة من التربية الذاتية ومقارعة الشهوات والسعي الدؤوب نحو الأهداف النبيلة.

الرعاية والتشجيع

يكرر والدي مقولة: «من لاحظت عنزته جابت توأمًا، ومن أهملتها راحت تهوم»، دلالةً على ضرورة العناية بالأولاد حتى يشتد عود كل منهم، لا سيما في هذا الزمن العاصف، حيث المغريات المتزاحمة والإغواءات المتنوعة ومرابط الشياطين الكُثر وفضاء رقمي مليء بالفوضى والشيطنة والفلتان والدعوات الضالة والسلوكيات المنحرفة. ولعل من بعض أهم أدبيات الرعاية لأفراد الأسرة في هذا الزمان الرعاية النفسية والعاطفية إلى جانب المالية. فتجنب الاصطدام، واحتضان الآراء، وترك مجال للأبناء بالتعبير عن الذات، ومد يد المساعدة لكل منهم دون أي مَنٍّ أو أذى أو لمز أو غمز، أمور ضرورية لكي تستمر روح المودة والوصال، وعُرى الالتحام، وحبال الألفة والولاء.

… الأكبر

بعد رجوع النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة المنورة من إحدى المعارك التي خاضوها، قال النبي ﷺ للمحيطين به: «رجعنا من الجهاد الأصغر ودخلنا الجهاد الأكبر». فسأله بعض الصحابة: وما هو الجهاد الأكبر؟ فقال النبي ﷺ: «جهاد النفس». فسَّر أغلب أهل الحديث معنى ذلك الحديث بأن الجهاد الأكبر هو تربية النفس وكبح جماح شهواتها والالتزام بتعاليم رب العالمين، وتوطيدها على الطاعة وكره المعصية والمضي نحو الخير. كان البعض يعتقد أن الجهاد الأكبر هو جهاد تحصيل لقمة العيش؛ والواقع أن سبل اكتساب لقمة العيش قد تتاح بشكل أفضل عبر الانتقال إلى أماكن تكاثر فرص العمل. ولكن عددًا ليس بالقليل من الناس قد ينتقل لبعض المدن الكبرى، المسماة مدن مراكز المال والأعمال، إلا أنه في النهاية يضيع دينه وصلاته واحترامه لنفسه وكرامته، لهثًا خلف جمع المزيد من المال. وقد يحصل على المال ويكوِّن الثروة، ولكن يضيع منه الولد ويفقد روح وجود الذرية الصالحة.

فتن

الروايات المتعددة عن النبي محمد ﷺ تؤكد حقيقة بأن الفتن تتلاحق كتلاحق الليل المظلم، وعندما يكون الليل بهيمًا تتخبط المسارات، وتتصادم المقاصد، ويضيع من ليس له نور في عينه وقلبه ووعيه وعقله.

اجعل لنفسك نورًا

مع ثورة الاتصالات والمعلومات، كثرت الخطوط والأفكار والأحزاب والجماعات والأهواء المعروضة على شاشات الجوالات والتلفاز وتطبيقات التواصل الاجتماعي، وأضحى من ليس له نور كافٍ، وفكر رصين، ورؤية واضحة، ويقين مترسخ، وعقائد قوية، وإيمان ناضج، يمشي به، فإنه يتخبط كل يوم في وادٍ. فكم شخص تراه مصبحًا يدعي أنه محب لمجتمعه، وتراه مساءً بائعًا لمجتمعه. وكم شخص تراه يدعي الأبوة وهو يبخل على أبنائه بحقوقهم. وكم شخص يتردد على المساجد وهو ظالم لزوجته. وكم شخص يحلف بالله لترويج سلعته وعقاره وهو كاذب. وكم شخص يستأمن على إدارة شركة مساهمة، وهو في الواقع يسرقها.

الإنسان قابل للانزلاق كما أنه قابل للكسر. وعلى الإنسان الحريص حفظ نفسه من الانزلاق بحفظ عقله وأخلاقه ودينه وصلاته وكلامه وبصره وسمعه.

خلاصة

الصحة والمال والأولاد والفكر القويم والأخلاق المستقيمة والسلوك الحسن هبات من الله تستحق الحمد والشكر لله على وجودها، ويجب بذل الجهود والأوقات والأموال للحفاظ عليها.