آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 5:26 م

أجر التعطّر للصلاة… حين يجتمع جمال الظاهر ونقاء الباطن

ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق :

«رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا مُتَعَطِّرٌ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً يُصَلِّيهَا غَيْرُ مُتَعَطِّرٍ». [1] 

إن هذا الحديث الشريف يفتح أمام المؤمن نافذةً جميلة لفهم جانب من آداب العبادة، فالصلاة ليست مجرد حركات وألفاظ، بل هي لقاءٌ مع الله تعالى، ومن أدب اللقاء أن يتزين الإنسان له، وأن يقف بين يديه في أحسن هيئة وأطيب رائحة.

التعطر من تعظيم شعائر الله:

حين يتعطر المؤمن قبل الصلاة، فإنه يعلن عمليًا احترامه لهذه العبادة العظيمة، وكأن لسان حاله يقول: إنني مقبل على الوقوف بين يدي رب العالمين، فلا يليق بي إلا أن أتهيأ لهذا الموقف بكل ما أستطيع.

ولهذا كان الاهتمام بالنظافة والطهارة والتجمل من السنن المؤكدة في الإسلام، لأن الله سبحانه يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عباده في حدود الاعتدال والوقار.

رائحة طيبة… وقلب طيب:

العطر ليس مجرد رائحة زكية، بل هو رمز للنقاء والصفاء. فكما يتطيب الجسد بالعطر، ينبغي أن يتطيب القلب بالإخلاص، واللسان بالذكر، والنفس بالتقوى.

فالعطر الحقيقي الذي يرفع الصلاة هو اجتماع طيب الظاهر مع طيب الباطن؛ فلا يكفي أن تكون الرائحة جميلة إذا كان القلب مشغولًا بالحقد أو الرياء أو الغفلة.

لماذا هذا الفضل العظيم؟

قد يتساءل البعض: كيف تكون ركعتان مع التعطر أفضل من سبعين ركعة بلا تعطر؟

ليس المقصود أن العطر وحده يضاعف الأجر بصورة آلية، وإنما لأن التعطر يعكس حالةً من الاستعداد النفسي والروحي للصلاة، والاهتمام بآدابها، وإظهار التعظيم لشأنها. فالعبادة التي تُؤدى مع حضور القلب، وحسن الهيئة، وكمال الأدب، تكون أقرب إلى القبول وأعظم أثرًا.

إن الإسلام يريد للمؤمن أن يعبد الله بكل كيانه؛ بجسده وروحه، وبهيئته وقلبه، وبظاهره وباطنه.

أثر العطر في الخشوع:

للرائحة الطيبة أثرٌ لطيف في النفس؛ فهي تبعث على السكينة، وتخفف التوتر، وتمنح الإنسان شعورًا بالراحة والانشراح، مما يساعد على حضور القلب في الصلاة، ويهيئ النفس للخشوع والتدبر.

ولذلك كان النبي ﷺ يحب الطيب، وجعله من محبوبات الدنيا، لما له من أثر حسن في النفس والعبادة والعلاقات بين الناس.

رسالة تربوية للأسرة:

من الجميل أن يعتاد الأبناء منذ الصغر على وضع شيء من الطيب عند الذهاب إلى المسجد أو قبل أداء الصلاة، ليقترن في أذهانهم أن الصلاة مناسبةٌ للتجمل المشروع، وأن الوقوف بين يدي الله يستحق أفضل استعداد.

كما ينبغي تعليمهم أن هذا التجمل ليس من أجل الناس، وإنما هو تعظيمٌ لله عز وجل، وامتثالٌ لهدي النبي وأهل بيته .

عبادة تبدأ قبل تكبيرة الإحرام:

إن الوضوء، ولبس الثياب النظيفة، والتسوك، والتعطر، والتبكير إلى الصلاة، كلها ليست أمورًا هامشية، بل هي مقدمات تصنع روح العبادة قبل أن يقول المصلي: الله أكبر.

فكلما ازداد اهتمام الإنسان بهذه الآداب، ازداد إحساسه بعظمة الصلاة، وأصبح دخوله فيها دخول المشتاق إلى مناجاة ربه، لا دخول المؤدي لواجب فحسب.

الرسالة الإيمانية:

إن هذا الحديث الشريف يعلّمنا أن الإسلام دين الجمال كما هو دين العبادة، وأن الطاعة لا تقتصر على أركان الصلاة وشروطها، بل تشمل أيضًا آدابها وما يحيط بها من مظاهر النظافة وحسن الهيئة.

فليكن للعطر نصيبٌ من استعدادنا لكل صلاة، ولنجعل رائحته تذكيرًا دائمًا بأننا مقبلون على أعظم لقاء، لقاء العبد بربه، وأن أجمل الزينة هي التي تقود إلى خشوع القلب، وحسن المناجاة، وقبول العمل.

[1]  ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص 68، مفتاح الفلاح، الشيخ البهائي العاملي، ص 235، الحدائق الناضرة، ج 1، المحقق البحراني، ص 308، الصلاة في الكتاب والسنة، محمد الريشهري، ص 68
استشاري طب أطفال وحساسية