آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 5:26 م

الارتقاء بالنفس

ياسين آل خليل

لم تعد أزمة الإنسان اليوم في نقص المعلومات، ولا في غياب الوسائل التي تقرّب المسافات وتفتح أبواب المعرفة، بل في ضعف قدرته على تحويل هذا كله إلى وعي، ورشد، ورحمة. نحن نعيش زمنًا تتدفق فيه الأخبار والآراء والمواقف بسرعة مذهلة، لكن هذا التدفق لم يجعلنا أكثر حكمة، بل جعل بعضنا أسرع انفعالًا، وأقل صبرًا، وأكثر استعدادًا لإطلاق الأحكام قبل أن يمنح نفسه فرصة التفكير والتأمل.

الارتقاء بالنفس، لا يعني أن نلبس أقنعة اللطف المؤقت، ولا أن نجامل على حساب الحقيقة، بل أن نعيد ذلك الإنسان فينا إلى فطرته، تلك الفطرة التي فطر الله الناس عليها. أن نتذكر أن وراء كل موقف قلبًا، ووراء كل خطأ ظرفًا، ووراء كل اختلاف مساحة قابلة للفهم لا للعداء. فليست العقلانية برودًا عاطفيًا، وليست الإنسانية ضعفًا في الموقف، بل هما جناحان لا يستقيم أحدهما دون الآخر.. عقل يزن الأمور، وقلب يمنع هذا العقل من التحول إلى قسوة جافة لا ترحم.

كثير من أزماتنا لا تبدأ من الحدث نفسه، بل من الطريقة التي نستقبله بها. كلمة عابرة قد تتحول إلى خصومة طويلة، وموقف بسيط قد يكبر حتى يصبح قطيعة، وخلاف في الرأي قد يُصوَّر كأنه معركة وجود. والسبب أن بعضنا لا يتعامل مع الحاضر كما هو، بل يستدعي معه جراحًا قديمة، ومخاوف متراكمة، وأحكامًا ورثها دون أن يمتحن عدالتها.

لقد صار من السهل أن نرفع أصواتنا، وأن نتحاور بعصبية، وأن نردّ قبل أن نفهم، وأن نحاكم الناس من زاوية واحدة. أما الأصعب فهو أن نتوقف قليلًا ونسأل.. هل موقفي هذا وليد وعي أم وليد غضب؟ هل أنا أبحث عن الحق أم الانتصار لنفسي؟ هل أريد إصلاح العلاقة أم إذلال الطرف الآخر؟ هذه الأسئلة الصغيرة قد تنقذ بيوتًا، وتحفظ صداقات، وتمنع مجتمعات كاملة من الانزلاق إلى التنافر والضغينة.

أن نرتقي بأنفسنا يعني أن ننتقل من ردود الفعل إلى حسن التدبير، ومن العصبية إلى البصيرة. فالإنسان الناضج لا يسمح لتجربة قاسية أن تتحول إلى قانون يحكم به على الجميع، ولا أن يجعل من خيبة واحدة سببًا لفقدان الثقة بكل الناس. هو يتعلم من الألم، لكنه لا يسمح للألم أن يربي داخله إنسانًا قاسيًا، ولا يترك للمرارة أن تقوده باسم الحذر أو الكرامة.

ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، ولا أن نذوب في رأي واحد، بل أن نتعلم كيف نختلف دون أن نجرح، وكيف ننتقد دون أن نهدم، وكيف نتمسك بقناعاتنا دون أن نصادر كرامة الآخرين. المجتمعات لا تنهض بكثرة الأصوات وعلوّها، بل بقدرتها على الإصغاء.. كما أنها لا تتقدم بالذكاء وحده، بل بحسن استعماله في بناء الثقة وتقليل الأذى.

إن أعظم ما نحتاجه اليوم هو أن نعيد برمجة علاقاتنا بأنفسنا والناس والحياة. أن نسأل قبل كل قرار.. هل يزيدني هذا صفاءً أم يضيف إلى داخلي ظلمة جديدة؟ هل أخرج من هذا الموقف أكثر رحمة وعدلًا، أم أكثر قسوة وتعصبًا؟ الفوز في الدنيا ليس بكثرة المكاسب، ولكن في الكيفية التي نعيش فيها مطمئنين، بقلوب لا تتغذى على الكراهية، وعقول لا تفرّط في ميزان الحق.

حين نرتقي بأنفسنا، فإننا نربح الطريقين معًا، نربح الدنيا بعلاقات أهدأ، ومجتمعات أعدل، وقرارات أكثر نضجًا. ونربح الآخرة حين نحمل إلى الله قلبًا سليما أقل ظلمًا، ولسانًا أقل أذى، وسعيًا أقرب إلى الخير. ما زال في العمر متسع لأن نراجع أنفسنا، وننظف ذاكرتنا من عوالق الحياة، ونوقظ فينا ذلك الإنسان الذي خلقه الله للتعارف لا للتنافر، للرحمة لا للشماتة، وللعقلانية لا للانقياد الأعمى. فطوبى لمن أنسن فكره، ورقّق قلبه، وجعل من حضوره في الحياة بابًا للسكينة والطمأنينة وراحة البال.