آخر تحديث: 23 / 10 / 2026م - 12:24 ص

«حارس القلاع».. إصدار توثيقي يرصد تجربة الشاعر العبادي بالمشهد الثقافي

جهات الإخبارية

وثّق الشاعر شفيق العبادي مساره الإبداعي المتشكل عبر عقود في كتابه الجديد ”حارس القلاع“، الصادر ضمن سلسلة ”أدباء صهيل الكلام“، جامعاً السيرة الأدبية والتجربة الشعرية والنصوص والشهادات والقراءات النقدية لحفظ ذاكرة التجربة الشعرية المحلية.

ويقع الإصدار الثالث من السلسلة في نحو 80 صفحة بطبعته الأولى الصادرة عام 1447 هـ /2026 م، متجاوزاً فكرة المجموعة الشعرية التقليدية ليقترب من الكتاب التوثيقي.

ويعيد الشاعر العبادي عبر صفحات الكتاب تركيب مراحل تجربته منذ البدايات المبكرة وصولاً إلى حضوره في المشهد الأدبي والثقافي السعودي، واستعادة المحطات البانية لتجربته وتوثيق الصلات بين المبدع وبيئته الثقافية.

ولا يقتصر ”حارس القلاع“ على السرد الذاتي والسيرة الذاتية وشهادات الأصدقاء، إذ يضم مواد تكشف تنوع تجربة العبادي بين الشعر والمقالة والقراءة الثقافية.

ويظهر من فهرس الكتاب اشتماله على مقابلة صحفية سابقة، ومواد تتناول تجربته وأجيال الشعر والإبداع، إلى جانب قراءة في مجموعته الشعرية ”شيء يشبه الرقص“. كما يحتوي الإصدار على عدد من النصوص، من بينها: ”خارج النص“، و”وبر القصيدة ومخالبها“، و”تشابه“، و”كروت خاسرة“، و”حلم“، و”مفارقة“، و”عابر سبيل“، و”عازف الناي“، و”صوت“، و”غصن“، و”ذكاء اصطناعي“.

وكشف العبادي في الكتاب أن حصيلته حتى مرحلة إعداد الإصدار شملت خمس مجموعات شعرية، طُبع منها — وفق ما يورده — عمل واحد هو ”شيء يشبه الرقص“.

وأشار إلى وجود كتابين آخرين في حصيلته؛ يضم أحدهما مقالات فكرية وثقافية، ويتناول الآخر جزيرة تاروت من خلال تداخل التاريخ والجغرافيا والميثولوجيا والقصة والفانتازيا، واصفاً هذا المشروع بأنه لا يزال في طور التشكل والنمو.

واستهل الشاعر إصداره بنص بعنوان ”في بيتنا موهوب“، عاد فيه إلى البدايات الأولى لتكوينه الشعري وإلى الذاكرة بوصفها منبعاً أساسياً للكتابة، مستحضراً أثر البيئة والمكان والتعليم والمنتديات الأدبية في تشكيل تجربته.

وربط في استعادته للبدايات بين الشعر والفنون البصرية، مشيراً إلى أن مادة الرسم في سنوات الدراسة أسهمت في تنمية حسه الفني.

وبيّن أن القراءة والاحتكاك بالتجارب الشعرية المختلفة شكّلا رافداً آخر دفعه إلى اكتشاف صوته الخاص والبحث عن مساحته داخل القصيدة.

واستعاد الكتاب مرحلة مبكرة من حياة الشاعر حين كان في الرابعة عشرة تقريباً، واضطراره إلى قطع مسافة مشياً على الأقدام لحضور أمسية شعرية في منطقة القطيف؛ مقدماً هذه الواقعة كمثال على شغفه المبكر بالشعر قبل اتساع دائرة قراءاته لتشمل تجارب شعرية عربية قديمة وحديثة ومدارس متنوعة في القصيدة.

وفي جانب من سيرته الإبداعية، استحضر العبادي تجربة تعليمية قصيرة مع الشاعر الراحل الشيخ مهدي المصلي، موضحاً أنها لم تتجاوز سبعة أيام، لكنها تركت أثراً في فهمه لموسيقى الشعر، ودفعته إلى كتابة قصيدة كاملة للاستفادة من الملاحظات النقدية وتطوير أدواته في الكتابة.

وتوقف المؤلف عند تجربة ”منتدى الغدير الأدبي“ الذي انضم إليه في منتصف عام 2006 بوصفه إحدى المحطات المؤثرة في مسيرته؛ إذ أتاحت جلساته الدورية مساحة للقراءة والنقاش والنقد، وأسهمت في توسيع صلته بالحراك الثقافي والأدبي، إلى جانب مشاركته في أمسيات وندوات وفعاليات ذات طابع شعري وفكري وثقافي.

وأفاد بأن المنتدى أسهم في تنشيط ذاكرة المنطقة الثقافية من خلال تكريم الشعراء والأدباء وتنظيم الأمسيات والندوات، وفتح المجال أمام النقاشات المتعلقة بالشعر وتجديد أدواته وقراءة التحولات التي شهدها المشهد الأدبي. ويتيح الإصدار للقارئ التعرف إلى المسارات التي صنعت تجربة الشاعر العبادي، والتحولات المرافقة لعلاقته بالشعر والقراءة والمنتديات الأدبية على امتداد سنوات نشاطه.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
نزار المصطفى
[ القطيف ]: 16 / 10 / 2026م - 11:32 م
إلى الشاعر الرقيق شفيق العبادي، مباركٌ لك «حارس القلاع»، هذا الكتاب الذي لا يكتفي بأن يوثّق سيرة شاعر، وإنما يحرس أثره من غياب الذاكرة، ويصون محطات الرحلة من أن تبدّدها الأيام في زحام العابرين.

ما أجمل أن يلتفت الشاعر إلى الطريق الذي قطعه، لا ليتأمل خطواته وحدها، بل ليعيد إلى الضوء الوجوه والأمكنة واللحظات التي أسهمت في تشكيل روحه، وصاغت ملامح تجربته، وأيقظت في داخله ذلك الكائن الذي لا يكفّ عن الإصغاء إلى الحياة وهي تهمس بأسرارها. فالشعر لا يولد من الكلمات وحدها؛ تولده البدايات الأولى، وتصقله القراءات، وتغذّيه المجالس، وتمنحه التجارب شيئًا من نضجها ووجعها ودهشتها، حتى يغدو الشاعر، من حيث يدري أو لا يدري، ذاكرةً تمشي على قدمين، وتحمل في أعماقها تاريخًا من الأسئلة والانفعالات والرؤى.

وها أنت، يا أبا الشعر الرقيق، تضع بين أيدي القراء «حارس القلاع»، وكأنك تفتح نوافذ الذاكرة على مساراتك الشعرية، وتدعوهم إلى الاقتراب من الإنسان الذي كان قبل القصيدة، ومن التجارب التي مهدت لولادتها، ومن تلك اللحظات التي لا تبدو في ظاهرها سوى محطات عابرة، لكنها تظل في أعماق الشاعر جذورًا خفية تمدّ نصوصه بأسباب الحياة.

إن أجمل ما في هذا الإصدار أنه يمنح التجربة الشعرية حقها في أن تُروى، ويمنح الذاكرة فرصةً كي تقول كلمتها قبل أن تتوارى بعض تفاصيلها في صمت الزمن. فكم من تجربة أدبية تركت وراءها نصوصًا جميلة، لكنها لم تترك ما يكفي من الشواهد التي تكشف كيف تشكّلت، ومن أين استمدت ملامحها، وأيُّ الطرق سلكت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. أما أن يبادر الشاعر إلى جمع سيرته ونصوصه وشهادات الآخرين وقراءاتهم، فذلك ضرب من الوفاء للكلمة، ووعيٌ بأن الشعر ليس لحظة إبداع منفردة فحسب، بل رحلة تتشابك فيها الذوات والتجارب والأمكنة والأزمنة.

ولعل اختيارك «حارس القلاع» عنوانًا لهذا العمل يحمل من الدلالة ما يتجاوز حدود التسمية؛ فالقلاع ليست حجارةً ترتفع في وجه الزمن وحده، بل هي أيضًا حصون الذاكرة، ومواضع صيانة المعنى، وشواهد على أن ما يستحق البقاء يحتاج إلى من يحرسه. وأنت، بهذا الكتاب، تحرس ما استطعت من قلاع تجربتك، وتترك للأجيال القادمة نافذةً تطل منها على شاعرٍ لم يكتفِ بأن يكتب قصيدته، بل التفت أيضًا إلى الطريق الذي جاءت منه، وإلى الأثر الذي خلّفته في نفسه وفيمن قرأها واقترب من عالمها.

أخي الشاعر شفيق العبادي، أبارك لك هذه الخطوة الثقافية المباركة، وأبارك للشعر فيك هذا الوفاء، وللقارئ هذه الفرصة التي تتيح له أن يقترب من تجربتك لا من خلال النصوص وحدها، بل من خلال الحكاية الإنسانية التي تسكن وراءها. وأتمنى أن يكون «حارس القلاع» فاتحةً لمزيد من العطاء، وأن تظل القلاع التي تحملها في روحك عامرةً بالقصائد، مفتوحةً على الحياة، عصيّةً على النسيان.

فبعض الكتب تُضاف إلى المكتبة، وبعضها يضيف إلى الذاكرة معنى جديدًا؛ وأرجو أن يكون كتابك من ذلك الصنف الذي لا يكتفي بأن يقول لنا ماذا كتب الشاعر، بل يقرّبنا أيضًا من الإنسان الذي عاش، وتأمل، وقرأ، وحلم، ثم جعل من كل ذلك طريقًا إلى الشعر.

مباركٌ لك هذا الإصدار، أيها الشاعر الرقيق، ومباركٌ للكلمة حين تجد من يصون أثرها، وللذاكرة حين تجد من يوقظها، وللشعر حين يجد في صاحبه حارسًا لا يقف عند أبواب القلاع، بل يمضي إلى داخلها، حيث تسكن الحكايات، وتظل القصائد مشتعلةً بما لم تقله بعد.