آخر تحديث: 23 / 10 / 2026م - 12:24 ص

خصوصيتك الرقمية: ماذا تعرف الشركات عنك؟

عباس قاسم الملاحي * صحيفة الجزيرة

في كل مرة تفتح فيها هاتفك صباحاً، تبدأ يومك غالباً بتصفح الأخبار، أو البحث عن منتج، أو مشاهدة مقطع قصير، أو طلب خدمة، أو إرسال رسالة. تبدو هذه أفعالاً عادية لا تستحق التفكير، لكنها في العالم الرقمي تترك وراءها أثراً. أثراً قد يقول عنك أكثر مما تتوقع.

ماذا بحثت؟ كم بقيت أمام إعلان معين؟ ما المواقع التي تزورها؟ ما المنتجات التي قارنت بينها قبل أن تشتري؟ متى تكون أكثر نشاطاً؟ وأحياناً، ما الذي قد تكون مهتماً به قبل أن تعلن ذلك بنفسك؟

هنا تبدأ قصة الخصوصية الرقمية؛ إحدى أكثر القضايا التصاقاً بحياة الإنسان المعاصر، لكنها ربما من أقلها حضوراً في وعيه اليومي.

أنت لا تدفع دائماً بالمال

اعتدنا أن نسأل عن سعر الخدمة، لكن السؤال الأهم في الاقتصاد الرقمي أصبح: بماذا تدفع فعلياً؟

كثير من الخدمات والتطبيقات تبدو مجانية، لكن المجانية لا تعني بالضرورة أن العلاقة خالية من المقابل. فالمستخدم قد يدفع بجزء من بياناته وسلوكه الرقمي، سواء كانت بيانات يقدمها مباشرة عند التسجيل، أو معلومات تُجمع من طريقة استخدامه للخدمة.

يقول أحد المختصين في التحول الرقمي: «البيانات اليوم ليست مجرد معلومات محفوظة في الخوادم، بل أصبحت وسيلة لفهم السلوك واتخاذ القرار وبناء الخدمات».

وهنا يكمن الفرق بين أن تعرف الشركة من أنت، وأن تفهم كيف تتصرف.

فقد لا تحتاج المنصة إلى معرفة كل تفاصيل حياتك كي تبني تصوراً عن اهتماماتك. يكفي أحياناً أن تعرف ما الذي تبحث عنه باستمرار، وما المحتوى الذي تتوقف عنده، وما الذي تتجاهله، وما الذي تضغط عليه، وفي أي وقت تتخذ قرار الشراء.

وبمرور الوقت، تتحول هذه الإشارات الصغيرة إلى ما يشبه البصمة السلوكية الرقمية.

ما الذي تعرفه الشركات عنك؟

لا توجد إجابة واحدة تنطبق على جميع الشركات؛ فحجم البيانات وطبيعتها يختلفان من خدمة إلى أخرى. لكن بصورة عامة، يمكن تقسيم ما قد تجمعه المنصات والخدمات الرقمية إلى عدة أنواع.

هناك أولاً البيانات التي تقدمها بنفسك، مثل الاسم ورقم الهاتف والبريد الإلكتروني والعمر وبيانات الحساب.

ثم تأتي بيانات الاستخدام: الصفحات التي تزورها، وعمليات البحث، ومدة استخدام التطبيق، والخصائص التي تستخدمها، والأجهزة التي تدخل منها.

وهناك أيضاً البيانات السلوكية، وهي ربما الأكثر أهمية في العصر الرقمي. فالشركة قد تحلل نمط تفاعلك لتفهم ما الذي يثير اهتمامك، وما المنتجات التي قد تناسبك، وما الوقت الأنسب لعرض خدمة عليك.

وهذا لا يعني بالضرورة أن هناك شخصاً يجلس خلف شاشة ويراقب المستخدمين فرداً فرداً. في الغالب، تقوم الأنظمة والخوارزميات بتحليل كميات هائلة من البيانات واستخلاص أنماط عامة تساعد في التخصيص والتوصية واتخاذ القرارات.

لكن النتيجة تظل واحدة: كل تفاعل رقمي يضيف معلومة جديدة إلى الصورة التي ترسمها الأنظمة عنك.

من الإعلان إلى التنبؤ

كان الإعلان التقليدي يخاطب جمهوراً واسعاً. إعلان واحد في صحيفة أو شارع أو قناة تلفزيونية يصل إلى آلاف الأشخاص، من دون معرفة دقيقة بمن قد يهتم به.

أما الإعلان الرقمي، فقد أصبح أكثر قدرة على الاستهداف.

يمكن لمنصة رقمية أن تساعد المعلنين في الوصول إلى شرائح ذات خصائص أو اهتمامات معينة. وهنا لم تعد القيمة الحقيقية في الإعلان نفسه، بل في القدرة على عرض الرسالة المناسبة للشخص المناسب في الوقت المناسب.

وهذا يقودنا إلى مرحلة أكثر تعقيداً: لم تعد التقنية تكتفي بتسجيل ما فعلناه، بل تحاول أحياناً توقع ما قد نفعله لاحقاً.

إذا كنت تبحث باستمرار عن دورات مهنية، وتتابع إعلانات الوظائف، وتزور صفحات تتعلق بتطوير السيرة الذاتية، فقد تشير هذه الأنماط إلى أنك مهتم بتغيير وظيفي أو تطوير مسارك المهني. لم تقل ذلك بالضرورة لأحد، لكن سلوكك الرقمي قد يكون قد قاله نيابة عنك.

سوق العمل السعودي: البيانات ترسم صورة جديدة

في سوق العمل السعودي، تتزايد أهمية المنصات الرقمية في التوظيف والتدريب وبناء المسارات المهنية. فالباحث عن وظيفة اليوم يترك أثراً رقمياً أكبر بكثير مما كان يتركه قبل سنوات.

السيرة الذاتية الإلكترونية، الحسابات المهنية، الشهادات الرقمية، الدورات التدريبية، التفاعل مع المحتوى المتخصص، وعمليات البحث عن الفرص؛ كلها أصبحت جزءاً من الحضور الرقمي للفرد.

تخيل باحثاً عن عمل في الرياض أو الدمام يبحث يومياً عن وظائف في تحليل البيانات، ويتابع محتوى عن الذكاء الاصطناعي، ويسجل في دورات تقنية، ويحدث سيرته الذاتية أكثر من مرة.

هذه الإشارات، عند توزيعها بين منصات مختلفة، قد تكشف شيئاً مهماً عن توجهه المهني: أنه يستعد للانتقال إلى مجال جديد. وهنا تظهر فرصة ومخاطرة في آن واحد.

الفرصة تتمثل في أن تساعد البيانات على تقديم فرص تدريب أو وظائف أكثر ملاءمة، بدلاً من إغراق المستخدم بعروض لا تناسب مؤهلاته.

أما المخاطرة فتظهر عندما تتحول البيانات أو التوقعات الخوارزمية إلى أحكام مسبقة. ماذا لو صنف نظام آلي شخصاً بأنه أقل ملاءمة لفرصة ما بسبب نمط بيانات غير مكتمل؟ وماذا لو أصبحت بعض القرارات المهنية تتأثر بما تتوقعه الخوارزمية، لا بما يستطيع الإنسان فعله فعلاً؟

يقول مختص في الموارد البشرية: «التقنية تستطيع أن تختصر الوقت في فرز المعلومات، لكنها لا يجب أن تختصر الإنسان في مجموعة بيانات».

وهذه العبارة تلخص أحد أهم تحديات سوق العمل في المستقبل: كيف نستفيد من الذكاء الاصطناعي والبيانات، من دون أن نسمح لهما بتحويل الإنسان إلى رقم أو تصنيف جامد؟

عندما تصبح حياتك مادة للخوارزميات

المشكلة ليست في جمع البيانات وحده؛ فالكثير من الخدمات يحتاج بالفعل إلى بيانات ليعمل بصورة أفضل. تطبيق الخرائط يحتاج إلى معرفة الموقع لتقديم الاتجاهات، وتطبيق التوصيل يحتاج إلى العنوان، والمتجر الإلكتروني يحتاج إلى بعض المعلومات لتنفيذ الطلب.

السؤال الحقيقي هو: ما حجم البيانات المطلوبة؟ ولماذا؟ وكيف تُستخدم؟ وإلى متى تُحتفظ بها؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟

الفرق كبير بين أن تمنح تطبيقاً معلومة يحتاجها لتقديم الخدمة، وبين أن تمنحه صلاحيات أو بيانات لا علاقة واضحة لها بما يقدمه.

لكن كثيراً من المستخدمين لا يتوقفون عند هذه الأسئلة. نضغط على «أوافق» لأننا نريد الوصول إلى الخدمة بسرعة، ونمنح الأذونات لأن التطبيق يطلبها، وننتقل إلى الخطوة التالية من دون قراءة ما وافقنا عليه.

لقد أصبح الوقت في العالم الرقمي أكثر قيمة من أن نضيعه في قراءة الشروط، لكن المفارقة أن ثمن الدقائق التي نوفرها قد يكون جزءاً من خصوصيتنا.

الخصوصية ليست إخفاءً.. بل حق في الاختيار

هناك تصور خاطئ يقول: «أنا شخص عادي، ليس لدي ما أخفيه».

لكن الخصوصية لا تعني بالضرورة وجود أسرار.

فالإنسان قد لا يريد أن يعرف الجميع ما يبحث عنه، أو أين يذهب، أو متى يكون متصلاً، أو ما المنتجات التي يفكر في شرائها، أو كيف يقضي وقته على الإنترنت.

الخصوصية في جوهرها هي القدرة على التحكم في حدود ما نكشفه عن أنفسنا.

ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: «هل لدي ما أخفيه؟»، بل: «هل أنا من يقرر ما الذي أشاركه، ولماذا، ومع من؟».

في هذا العصر، أصبحت حماية الخصوصية جزءاً من الثقافة الرقمية، تماماً كما تعلمنا في العالم الواقعي ألا نعطي مفاتيح المنزل لأي شخص، أو ألا نكشف معلوماتنا البنكية للغرباء.

مسؤولية الشركات.. ومسؤولية المستخدم

لا يمكن تحميل المستخدم وحده مسؤولية حماية بياناته. فالشركات التي تجمع البيانات تقع عليها مسؤولية كبيرة في توضيح ما تجمعه، وسبب جمعه، وكيفية استخدامه وحمايته.

كما أن بناء الثقة الرقمية يجب أن يقوم على مبدأ واضح: أقل قدر ممكن من البيانات لتحقيق الغرض، وأكبر قدر ممكن من الشفافية تجاه المستخدم.

وفي المقابل، يحتاج المستخدم إلى تغيير بعض العادات البسيطة:

• مراجعة الأذونات التي يطلبها كل تطبيق.

• عدم منح الوصول إلى الموقع أو الكاميرا أو الميكروفون من دون حاجة واضحة.

• قراءة النقاط الأساسية في سياسات الخصوصية، خصوصاً عند الخدمات الحساسة.

• مراجعة إعدادات الخصوصية والحسابات بصورة دورية.

• الحذر من التطبيقات والمواقع التي تطلب معلومات أكثر من حاجتها الطبيعية لتقديم الخدمة.

• التفكير قبل مشاركة المعلومات الشخصية، لأن ما يُنشر رقمياً قد ينتقل أبعد مما نتوقع.

هذه الخطوات لا تجعل الإنسان غير مرئي رقمياً، لكنها تمنحه قدراً أكبر من السيطرة والوعي.

الاقتصاد الجديد يعرفك قبل أن تشتري

في الماضي، كانت الشركات تجري الدراسات والاستبيانات لتفهم العملاء. اليوم، أصبح جزء كبير من هذه المعرفة يتكون لحظة بلحظة من خلال التفاعل الرقمي.

ماذا شاهدت؟ ماذا أضفت إلى سلة التسوق ثم تراجعت؟ ما الذي بحثت عنه؟ ما الإعلان الذي دفعك إلى زيارة الموقع؟

هذه التفاصيل تمثل وقوداً لاقتصاد قائم بدرجة متزايدة على البيانات.

ومع نمو التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي في المملكة، ستزداد أهمية السؤال: كيف نحقق التوازن بين الابتكار وحماية الإنسان؟

فالمملكة تتجه بقوة نحو اقتصاد رقمي أكثر تقدماً، حيث تتوسع الخدمات الذكية، وتتطور التجارة الإلكترونية، وتدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مجالات العمل والتعليم والصحة والخدمات الحكومية.

وهذا التحول يحمل فرصاً اقتصادية هائلة، لكنه يجعل الثقة الرقمية عنصراً أساسياً في نجاح الاقتصاد.

فالمستخدم لن يمنح بياناته بسهولة ما لم يثق في طريقة التعامل معها، والشركة التي تحسن حماية البيانات لا تحمي نفسها فقط من المخاطر، بل تبني أيضاً أصلاً اقتصادياً بالغ الأهمية: ثقة العميل.

السؤال الذي يجب أن نطرحه

ربما لا نستطيع اليوم أن نعيش خارج العالم الرقمي، ولا أن نمنع كل أثر تتركه خطواتنا الإلكترونية.

لكن يمكننا أن نكون أكثر وعياً.

في المرة القادمة التي يطلب فيها تطبيق جديد الوصول إلى موقعك أو جهات اتصالك أو صورك، توقف للحظة واسأل: هل يحتاج هذه البيانات فعلاً؟

وعندما تستخدم خدمة مجانية، اسأل: ما المقابل الحقيقي الذي أقدمه؟

وعندما ترى إعلاناً عن منتج كنت تفكر فيه قبل ساعات، لا تكتفِ بالدهشة، بل تذكر أن الاقتصاد الرقمي أصبح بارعاً في قراءة الإشارات التي نتركها خلفنا.

في النهاية، ليست القضية أن الشركات تعرف عنا الكثير فقط، بل أن السؤال الأكبر هو: هل نعرف نحن ما الذي نكشفه عنها كل يوم؟

لأن الخصوصية الرقمية في المستقبل لن تكون مجرد إعداد مخفي داخل الهاتف، بل ستصبح جزءاً من وعي الإنسان بحقوقه، وبقيمته في اقتصاد أصبحت فيه البيانات لغة جديدة للقوة والثروة.

ففي العالم الرقمي، قد تكون أنت المستخدم.. لكن بياناتك هي أيضاً جزء من المنتج.

تربوي وتقني متخصص في التحول الرقمي، يجمع بين الخبرة التعليمية وتطوير الحلول الذكية وتحليل البيانات، ويوظف التقنية والتصميم الإبداعي لرفع كفاءة الأداء وخدمة المؤسسات التعليمية.