آخر تحديث: 23 / 10 / 2026م - 12:24 ص

حين تجمعنا الغربة… وتوحّدنا الكلمة

من ذكريات الملتقى الدولي للكتاب العربي - باريس 2026

رضي منصور العسيف *


قال الله تعالى:

﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلناكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ﴾ [الحجرات: 13]

ما أجمل أن تتحول الكلمات إلى جسورٍ للمحبة، وأن تصبح الثقافة نافذةً نطلّ منها على قلوب الآخرين، فنكتشف أن المسافات مهما اتسعت، والأوطان مهما تباعدت، تبقى الأخوّة لغةً يفهمها الجميع.

ذهبنا إلى باريس لحضور الملتقى الدولي للكتاب العربي، وكنا ثلاثةً تجمعنا محبة الثقافة وشغف الكلمة: أنا، والوكيل الأدبي الكاتب والشاعر الدكتور عبدالله البطيان، والكاتب والفنان التشكيلي المبدع الأستاذ أحمد عبدالنبي.

كانت الرحلة بالنسبة إلينا فرصةً للمشاركة في عرس ثقافي عربي، لكننا لم نكن نعلم أن أجمل ما سنحمله من هذا الملتقى لن يكون الكتب والكلمات وحدها، بل تلك القلوب التي سنتعرف إليها، والصداقات التي ستولد بيننا.

استقبال يشبه دفء الوطن

عندما وصلنا إلى مقر الملتقى في البيت المصري بالمدينة الجامعية في باريس، دخلنا القاعة ونحن نرتدي الزي السعودي، نحمل معنا شيئًا من هوية الوطن وأصالته.

وما إن خطونا خطواتنا الأولى حتى استقبلتنا وجوه بشوشة، وأيدٍ امتدت إلينا بالمصافحة، وكلمات ترحيب صادقة تنبض بالمحبة والأخوّة، فغمرتنا مشاعر الفرح والألفة منذ اللحظات الأولى.

وكان في مقدمة المستقبلين رئيس الملتقى الدكتور علي المرعبي، الذي كان لحضوره وجهوده أثر بارز في إنجاح هذا اللقاء الثقافي، فضلًا عن دوره الكبير من خلال دار كل العرب في خدمة الكتاب والمؤلفين، وتيسير طباعة مؤلفاتهم، واستخراج أرقام الإيداع الدولية للكتب ”الردمك الفرنسي“، بما يسهم في فتح آفاق أوسع أمام الإبداع العربي، ويمنح الكلمة العربية فرصةً جديدة للانتشار والوصول إلى قرّاء العالم.

لم نشعر أننا غرباء في مدينة بعيدة، بل كأننا دخلنا بيتًا عربيًا كبيرًا، يجمع أبناءه تحت سقف المحبة والثقافة.

كانت تلك اللحظات الأولى كافية لتخبرنا أن هذا الملتقى ليس مجرد مناسبة أدبية، بل مساحة إنسانية تلتقي فيها الأرواح قبل الأقلام.

حين تتحدث القلوب بلغة الأدب

شيئًا فشيئًا، بدأت القاعة تمتلئ بالحضور؛ رجالًا ونساءً، أدباء وشعراء ومثقفين، جاءوا من أوطان مختلفة، يحمل كلٌّ منهم شيئًا من ذاكرة بلاده، وعبق ثقافتها، وجمال تجربته.

بدأ حفل الافتتاح بكلمات الترحيب، ثم توالت الفقرات الأدبية والثقافية.

هذا شاعر يسكب مشاعره في قصيدة، وذاك أديب يفتح لنا نافذة على عالمه، وآخر يشاركنا فكرةً أو تجربةً تستحق الإصغاء والتأمل.

كان كل مشارك يقدم أجمل ما لديه من فكر وأدب وثقافة، وكأننا أمام حديقة واسعة، تتنوع فيها الأزهار والألوان، لكنها تجتمع في جمال واحد.

كنت أستمع وأتأمل، وأشعر بالفخر بهذا الثراء الثقافي العربي، وبهذه الطاقات الإبداعية التي تحمل الكلمة رسالةً، وتجعل من الأدب وسيلةً للتواصل بين الشعوب.

الغربة تجمع الأحبة

وجاءت فترة الاستراحة، فبدأ فصل آخر من فصول الجمال الإنساني.

لم تكن استراحةً من الكلمات، بل كانت بدايةً لحكايات جديدة.

وجدنا أنفسنا، نحن الثلاثة، محاطين بمحبة الحضور واهتمامهم؛ هذا يقترب ليسلّم، وذاك يبتسم ويرحب، وآخر يفتح معنا حديثًا كأننا نعرفه منذ سنوات.

كانت المصافحات تتوالى، والابتسامات تتبادل، والأحاديث تتفرع من سؤال بسيط عن الوطن إلى حكايات عن الحياة والغربة والثقافة.

وفي تلك اللحظات تشكّلت لديّ قناعة جميلة:

أن الغربة قد تُباعد بين الإنسان ووطنه، لكنها كثيرًا ما تُقرّبه من قلوب إخوته.

فالإنسان الذي يعيش بعيدًا عن وطنه، حين يلتقي أخًا له في الدين أو اللغة أو الثقافة، يشعر بألفةٍ خاصة، وكأن ذلك اللقاء يعيد إليه شيئًا من دفء أهله وحنين وطنه.

لقد شعرت أن الغربة لا تصنع الوحشة دائمًا، بل قد تصنع أجمل الصداقات، حين يلتقي الناس على المحبة والاحترام.

أوطان كثيرة… وقلوب متقاربة

وبدأ التعارف يأخذنا في رحلة أخرى، رحلة لا تحتاج إلى طائرة ولا إلى جواز سفر.

هذا من تونس، وذاك من الجزائر، وثالث من المغرب.

وهنا صديق من مصر، وآخر من العراق، ومن اليمن والسودان والأردن والأهواز وسوريا ولبنان.

أوطان متعددة، ولهجات مختلفة، ووجوه تحمل ملامح بيئات وثقافات متنوعة، لكن القلوب كانت تتحدث بلغة واحدة؛ لغة الأخوّة والمودة.

كان كل واحد يحمل معه حكاية، وتجربة، وذاكرةً من وطنه، حتى شعرت أنني لا أتجول في قاعة ثقافية فحسب، بل أسافر بين البلدان، وأتعرف إلى الناس من خلال كلماتهم وابتساماتهم وتجاربهم.

ولعل أجمل ما في تلك اللقاءات أننا لم نكن نسأل عن الاختلافات التي تفرقنا، بل كنا نكتشف المشتركات التي تجمعنا.

هناك أدركت شيئًا من الجمال العميق في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلناكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا﴾ .

فالتنوع ليس حاجزًا بين البشر، بل فرصة للتعارف، والتقارب، وتبادل الخبرات، واكتشاف الجمال الذي أودعه الله في اختلاف الشعوب والثقافات.

لكل صديق حكاية

دخلنا الملتقى ثلاثة أصدقاء، وخرجنا منه ونحن نحمل في قلوبنا أسماءً ووجوهًا وصداقات جديدة.

لم تعد تلك الوجوه مجرد حضور عابر في مناسبة ثقافية، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة رحلة ستبقى جميلة في وجداني.

تعلمت أن بعض اللقاءات لا تحتاج إلى سنوات حتى تترك أثرًا، فقد تكفي مصافحة صادقة، أو ابتسامة دافئة، أو حديث قصير، لتنشأ بين القلوب ألفة لا تصنعها المسافات الطويلة.

لقد ذهبنا إلى باريس حاملين كتبنا وأحلامنا الأدبية، وعدنا منها نحمل ما هو أجمل؛ محبة إخوة جدد، وذكريات إنسانية دافئة، وإيمانًا أعمق بأن الثقافة حين تقترن بالأخلاق تصبح رسالةً تجمع ولا تفرّق.

وهكذا لم يكن الملتقى الدولي للكتاب العربي مجرد لقاء للكتب والمؤلفين، بل كان لقاءً للقلوب والأوطان، وتجسيدًا جميلًا لمعنى التعارف الإنساني.

عدنا من باريس بمجموعة من الأصدقاء…

ولكل صديق حكاية، ولكل حكاية وطن، ولكل وطن نبضٌ من المحبة سيبقى في الذاكرة.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف