القهوة والكولسترول.. ما الذي يغيره الفلتر؟
حين نشرتُ تغريدة عن علاقة القهوة بالكولسترول الضار، أثار انتشارها سؤالًا يمس تفاصيل حياتنا اليومية: هل يمكن لفنجان نبدأ به صباحنا أن يرفع الكولسترول؟ فالقهوة في بيوتنا رائحة المكان وذاكرة اللقاء، لكن المعلومة الطبية حين تُختصر قد تثير قلقًا أو اطمئنانًا يتجاوزان حدودها؛ ولهذا تستحق المسألة شرحًا أوسع.
السؤال الأدق ليس: هل القهوة مفيدة أم مضرة؟ بل: كيف نحضّرها، وبأي كمية، ولأي شخص؟ فقد تختلف آثار مشروبين يحملان الاسم نفسه، كما أن النصيحة المناسبة لشخص سليم قد تحتاج إلى تعديل لدى من يعاني ارتفاعًا شديدًا في الكولسترول أو مرضًا في شرايين القلب.
يُعرف الكولسترول الضار باسم «LDL» وارتفاع مستواه يزيد احتمال تراكم الترسبات في جدران الشرايين، ما قد يؤدي إلى الجلطات القلبية والسكتات الدماغية. وقد يرتفع دون أعراض واضحة، لذلك يُكتشف أحيانًا خلال الفحوص الروتينية.
أما القهوة، فتحتوي زيوتها على مركبات تُسمّى «الديتربينات»، أبرزها الكافيستول والكاهويول، ويمكن أن تؤثر في مستوى الكولسترول. وقد أظهرت دراسات أن أثر الكافيستول في رفع دهون الدم أوضح من الأثر الإضافي للكاهويول، وهو ما يفسر تأثير بعض أنواع القهوة رغم خلوها من الكولسترول نفسه.
وهنا تظهر أهمية التحضير؛ فالقهوة المغلية والتركية والمحضّرة بالمكبس الفرنسي قد تحتوي على كميات أعلى من هذه المركبات، بينما يحدّ الترشيح بالورق من وصولها إلى الفنجان. أما المصفاة المعدنية فلا تؤدي بالضرورة الوظيفة نفسها. لذلك، فإن وصف القهوة بأنها «سوداء» لا يكفي لتحديد تأثيرها الصحي.
وفي مراجعة علمية نُشرت عام 2020، وجمعت نتائج اثنتي عشرة تجربة عشوائية، ارتفع الكولسترول الضار مع استهلاك القهوة ضمن ظروف الدراسات. كما أظهرت تجربة نُشرت عام 1996، أن ارتفاعه كان أكبر مع قهوة المكبس الفرنسي مقارنة بالقهوة المفلترة، لدى مشاركين تناولوا خمسة إلى ستة أكواب قوية يوميًا لمدة ستة أشهر. ومع ذلك، لا يمكن تعميم نتائج هذه الكمية على فنجان صغير.
وتناولت دراسة سويدية نُشرت عام 2025 مكونات القهوة المنتجة بواسطة آلات التحضير في أماكن العمل، ووجدت أن معظم الآلات المدروسة أنتجت قهوة تحتوي على مستويات أعلى من بعض هذه المركبات مقارنة بالقهوة المنزلية المفلترة بالورق. لكن قياس المكونات لا يعني إثبات حدوث أمراض لدى المستهلكين.
وفي المقابل، تشير إرشادات أوروبية للوقاية من أمراض القلب إلى أن الاستهلاك المعتدل للقهوة ليس ضارًا على الأرجح، مع الانتباه إلى الأنواع غير المفلترة. فالتأثير في مؤشر مخبري لا يختصر جميع الآثار الصحية للقهوة.
وفي مجتمعنا الخليجي، ينبغي مراعاة اختلاف أحجام الفناجين وطرق التحضير؛ فتكرار صب القهوة السعودية يجعل عدد الفناجين وحده مقياسًا غير كافٍ للاستهلاك.
كذلك، قد تضيف الكريمة والزبدة دهونًا مشبعة ترفع «LDL»، بينما تزيد السكريات والشرابات المنكّهة السعرات الحرارية. لذلك، فإن تقليل الإضافات الدسمة والسكريات جزء من العناية بصحة القلب.
ماذا نفعل إذن؟ يُعد اختيار القهوة المفلترة بالورق وتقليل غير المفلترة خطوة عملية لمن لديهم ارتفاع في الكولسترول. أما من يعاني مرضًا قلبيًا أو ارتفاعًا شديدًا فيه، فيحتاج إلى تقييم طبي أشمل، دون الاستغناء عن العلاج الموصوف.
لا داعي إلى إخراج القهوة من مجالسنا خوفًا، ولا إلى استبعادها من حساباتنا الصحية محبةً. فبين المنع المطلق والاطمئنان المطلق مساحة للوعي: تحضير مناسب، وكمية محسوبة، وإضافات أقل، ونصيحة تراعي صحة كل شخص.












