أين عقلاء التيارات السلفية في المملكة
من حقنا في ظل الفظاعات التي يرتكبها تنظيم داعش ذو الخلفية السلفية على مستوى المرجعية، ونمط التفكير ومرتكزاته المعرفية والسياسية، أن نتساءل أين عقلاء هذه المدرسة السلفية في المملكة، مما يرتكبه هذا التنظيم الإرهابي بحق المسلمين وغير المسلمين في العراق وسوريا. وكيف نفسر صمت غالبية الدعاة والمثقفين في هذا التيار أزاء جرائم داعش في المنطقة. وهل يمكننا أن نفسر هذا الصمت كشكل من أشكال التقية السياسية التي يمارسها أقطاب هذا التيار فعلا ويتم استسخافها نظريا.
وهل ثمة مسافة فكرية حقيقية تفصل بين المرجعية الفكرية لتيار داعش والتيارات السلفية في المملكة. هذه الأسئلة وغيرها من حقنا أن نثيرها في ظل الجرائم التي يرتكبها هذا التنظيم، وفي ظل الفاتورة الضخمة التي يدفعها وطننا في مشروع الحرب ضد داعش.
أسوق هذه المسألة، ليس من أجل إثارة السجالات المذهبية في وطننا، وإنما من أجل دفع التيارات السلفية في المملكة بكل تلاوينها أن تعبر عن موقفها الفكري الحقيقي من ظاهرة داعش.
لأننا نعتقد أن المسافة الفكرية بين تيار داعش وغيره من التيارات السلفية، مسافة قصيرة وإن الاختلاف في الموقف السياسي، قد لا ينم عن اختلاف فكري حقيقي، بقدر ما ينم عن تشخيص سياسي مختلف.
ولا بد في هذا السياق من تذكير الجماعات السلفية في المملكة، أن بعض تلاوين هذه الجماعات أدخلت المنطقة ومعها عموم الأمة الإسلامية خلال عقد ونيف في معركتين عسكريتين وسياسيتين وأمنيتين خطيرتين، وقد أضرتا براهن الأمة ونظرة بقية الأمم إلى ديننا الإسلامي الحنيف.
في المرة الأولى حينما أقدم مجموعة سلفية تتبع تنظيم القاعدة في تفجيرات واشنطن ونيويورك فيما سمي بأحداث 11/ سبتمبر ودخلت بعض بلدان المنطقة كالسودان وأفغانستان في أتون انتقام أمريكي وغربي، دمر بعض البنية التحتية لهذين البلدين، وجعل الإسلام وجميع المسلمين في مربع الاتهام، وطبيعة المتواليات والفواتير الأمنية والسياسية والإستراتيجية التي دفعتها المنطقة، من جراء هذا الفعل.
والمرة الأخرى حينما هاجم تنظيم داعش سوريا والعراق، ومارس القتل والإرهاب والتفجير بحق كل من يعترض مشروعه سواء من السنة أو الشيعة أو الايزيدين أو المسيحيين. وإزاء هذا الفظاعات وعمليات القتل الرهيبة، التي يرتكبها هذا التنظيم، وهو يستند في بعض أفعاله على فتاوى علماء وفقهاء المدرسة السلفية، أليس من حقنا أن نطالب دعاة وعلماء ومثقفي هذه التيارات على مستوى المملكة، أن تعبر عن رأيها وموقفها من هذه الفظاعات التي يرتكبها هذا التنظيم السلفي.
وفي ظل هذا الدم الحرام المسفوك بغير حق، ألا يحق لنا أن نطالب التيارات السلفية للبوح بموقفها الفكري والأيدلوجي من تنظيم داعش وأفعاله المختلفة.
كما أن مقتضيات الانتماء الوطني الصادق أن يسارع دعاة وعلماء هذا التيار للتعبير عن موقفهم الحقيقي مما تفعله داعش في سوريا والعراق وعموم المنطقة.
وإننا في هذا السياق ندعو عقلاء التيارات السلفية في المملكة إلى بيان موقفهم الفكري والأيدلوجي من داعش وأعمالها المختلفة.
وإن الصمت الفكري والثقافي يدفعنا للاعتقاد، أن المسافة الفكرية والسياسية بين داعش وأخواتها من التيارات السلفية مسافة قصيرة، لذلك هم يبطنون موقفا أيدلوجيا متعاطفا مع هذا التنظيم، وإن عبروا عن موقف إعلامي غير منسجم مع هذا التعاطف لضرورات أمنية وسياسية ذاتية وموضوعية. ألا يستحق الوطن وهو يخوض معركة مصيرية ضد الإرهاب، من أقطاب التيارات السلفية من ممارسة النقد ورفع الغطاء الشرعي عن تنظيم داعش وأفعاله الإجرامية. أو ليس الانتماء الوطني عطاء قبل أن يكون أخذا. أو ليس الانتماء الوطني يساوي عدم بناء علاقة عضوية مع جهات سياسية تتبنى رؤية مختلفة أو معارضة عن رؤية الوطن. آن الأوان لكل الأطراف السلفية، التي كانت توزع صكوك الولاء والانتماء، أن تثبت للوطن كله، وعبر مواقف علنية وصريحة وواضحة عن موقفها الأيدلوجي والفكري والسياسي من داعش وأمثالها. ووجود مواقف دينية رسمية من هذا التنظيم لايعفي بقية الأطراف عن بيان رؤيتها وموقفها، وهل هي مع داعش في منطقة دون أخرى، أو مع بعض أعمالها وضد بعضها الآخر.













