آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 7:53 م

جريمة جنائية بامتياز

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

الحديث عن القانون العمالي من زاوية الهدف، هو حديث عن القانون الذي بموجبه يستطيع الموظف أن ينعم بالأمان الوظيفي ونيل الحقوق، غير أنَّ هذا النوع من الإحكام والدقة هو عادةً غير موجود في كثير من القوانين الإنسانية، بمعنى أنَّ الثغرات تبقى موجودة وتمنح من يعجبه مخالفة القانون القدرة على ذلك بتفاوت بين القوانين المختلفة، من هنا فالتطوير الدائم ومحاولة سد الثغرات هو ما ينبغي دائماً إن كانت هناك رغبة حقيقية في الحفاظ على أهداف هذا القانون واستمرار جدواه وفاعليته.

تختلف المخالفات ومستويات الظلم التي ترتكبها إدارات الشركات بحق منسوبيها من حيث مستوى خطورتها وفداحة تأثيرها على العامل لتصل في أسوأ حالاتها إلى «قطع الرزق والفصل من الخدمة»، هذا الفصل حينما يَحشد فيه الإداري الظالم مجموعة من الأدلة الكاذبة والشهود فإنَّه عادةً ما يجد في القانون ما يحقق له أهدافه، في اعتقادي الشخصي أنَّ هذا المستوى من الجرائم لا يختلف بأي حال من الأحوال عن أي جريمة جنائية أُخرى يعاقب عليها القانون، والتعامل معها بطريقة كالتي يتعامل معها مكتب العمل والعمال لا يؤدي لأي نتائج رادعة تستطيع إيقاف هذه الشريحة السيئة من الإداريين التنفيذيين عن أفعالها.

أعتقد أنَّ إعادة تصنيف الفصل التعسفي كجريمة جنائية يُخالف عليها القانون ويُعاقب عليها الفاعل، هو أمر تفرضه خطورة هذا الفعل الشنيع وما يترتب عليه من عواقب وخيمة جداً على الموظف وعلى المجتمع ككل. ما هو الأكثر إضراراً بالإنسان؛ أن يقوم شخص بسرقة قطعة رغيف أو أن يقوم آخر بسرقة مصدر رزق عائلة كاملة حتى تُعتبر الأولى جناية قانونية بينما الثانية لا تعد شيئاً بحيث يعيش صاحبها عزيزاً مكرماً؟! من غير المنطقي كما أعتقد أن يُنظر لهذه المخالفة بنظرة سطحية ودونما عقاب لهذا الجاني، بينما يُعاقب آخر على جرائم قد تكون أقل ضرراً من ذلك بكثير، أجد المقايسة هنا منطقية وواضحة الدلالة.

شاءت الأقدار أن التقي بمواطن يحمل درجة الماجستير من أفضل الجامعات وسيرته الذاتية مليئة بالعلم والتجربة والخبرة، الذي اُبتلي به هذا المواطن هو نموذج من نسخة الإداري المتسلط المتكررة في كثير من الشركات، التي تجد لنفسها الحق في ظلم الآخرين وقطع أرزاقهم لأسباب ربما تُعد في بعض الأحيان تافهة، هذه الحالة لا يقدم فيها مكتب العمل قراراً منصفاً في أفضل الحالات إلا إرجاعه إلى العمل بعد فترة طويلة من المداولات التي يقضيها دون عمل في حين لا يعني ثبوت مظلوميته أي عقاب على الفاعل.

في اعتقادي أن هذه الزمرة الفاسدة من الإداريين الذين يصل بهم الحال إلى «قطع أرزاق» المواطنين دون سبب مشروع ينبغي أن يُنزل بهم أقصى العقوبات الرادعة ويُشهَّر بهم في الصحف المحلية بحيث يعرف من تسول له نفسه ظلم الناس عاقبة فعله، ولكي لا تعم الفوضى وتتحول الشركات إلى جحيم على يد هذه الزمرة الفاسدة. إن ملاحقة هؤلاء وعقابهم هو ما سيحقق درجات أعلى من الأمان الوظيفي، ولن يتم ذلك إلا بإعادة تصنيف هذه المخالفة على أنها جريمة جنائية وهي كما أعتقد كذلك بامتياز، أما دون ذلك فسيجد مرضى القلوب من الإداريين الأبواب مشرعة لقطع أرزاق الناس والتلاعب بمستقبلهم.