آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 7:53 م

صليب ريال مدريد

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

في نوفمبر 2014، قرر النادي الملكي الإسباني ريال مدريد، إزالة الصليب الموجود على شعاره، الذي يعود إلى سنة تأسيسه عام 1902م، ما يمثل له بالنتيجة إرثاً تاريخياً مهماً، علاوةً على كونه إشارة دينية، وانتماءً. الهدف من هذا الفعل هو تجنب كل ما من شأنه استفزاز جماهيره العريضة من المسلمين، ومع أنَّ أحداً لم يشترط عليه ذلك إلا أنَّه رأى أنَّ هذه البادرة ستحظى بتقدير هذه الشريحة الكبيرة من الناس.

يُخطئ كثيراً مَنْ يظن أنَّ الأسلحة الكيميائية، والقنابل النووية، وخلافها من الأسلحة، هي التي تهدد الأمن والاستقرار العالمي. تسطيع هذه الأسلحة، ربما، قتل الملايين من سكان الأرض، وتشويه الأجيال لمدة من الزمن، ولكنها لا محالة ستنتهي يوماً. المشكلة التي لا تنتهي، وهي برأيي أشد الأسلحة فتكاً ببني البشر، هي التطرف بجميع أشكاله، خصوصاً التطرف الديني. هذا النوع يملك دائماً طاقة مُسكّرة، قادرة على «نفي العقل»، وتحويل هذا الإنسان إلى كائن ليس له هدف إلا الإساءة إلى الناس، كل الناس، وإسقاط عقائدهم، وتسفيه آرائهم، ونشر الكراهية فيما بينهم، مع أنَّ الدين، وتعاليمه، يدعوان إلى تحقيق الخير والألفة بين الناس جميعاً.

أحد أشكال التطرف، هو اعتقاد شخص أنَّ العقل، الذي خلقه الله فيه لم يخلقه في أحدٍ غيره، بمعنى أنَّه هو فقط مَنْ يُحسن التفكير، وفقط مَنْ يُحسن اختيار الطريق الصحيح، وفقط مَنْ يعلم الحقيقة، أما الناس فليس لها عقول، ولا تفهم، الأمر الذي يقتضي وضع حدٍّ لكل هؤلاء، وإجبارهم على اتباع الهدى، الذي هو فقط مَنْ يعرفه.

التطرف، وصناعة الكراهية، والتحريض على المختلف، هي صناعة يجيدها كثيرون، ويمارسونها في عالمنا الكبير، خصوصاً في عالمنا الإسلامي، وهي في اعتقادي أكثر ضرراً من أي سلاح فتَّاك آخر، لأنها تخلق نفوساً مريضة، تسعى أكثر ما تسعى، إلى إيذاء الآخر من غير أن تملك عقولاً، تستطيع أن تستوعب أنَّ الاختلاف سُنَّة بشرية، وأنَّ إلغاءه ضربٌ من المستحيل. السبب الوحيد الذي يُوقف التطرف، ولو لأجل مسمّى، هو القانون، غير أنَّ القانون لن يستطيع أن يصنع قلوباً، وعقولاً تؤمن بأنَّ للآخر حقاً في الحياة وفق ما يعتقد، لذا سيبقى الاستعداد كبيراً للإيذاء متى ما سنحت الفرصة. ما ينبغي أن يكون موازياً للقانون، هو تأسيس النشء على احترام التعددية الفكرية، والدينية، والمذهبية، حيث لا يجد أي شخص بأساً في أن يفكر الآخر كما يريد، ويمارس عقيدته وفق المنهج، الذي يعتقد صوابيته، دون المساس بالأمن العام.

في اعتقادي أنَّ العالم بأسره يحتاج إلى قانون موحّد، يتفق فيه الجميع على احترام حق الإنسان في التفكير، واختيار الدين، والمذهب، والفكر، الذي يريده، دون أن يملك أي شخص الحق في انتزاع هذا الأمر منه. نعم للجميع حق النصيحة، والأمر بالمعروف بما لا يُعتبر انتهاكاً للآخر. ومن جانبٍ آخر ينبغي إيقاف لغة الاستفزاز، التي تعتبر وقوداً حقيقياً للكراهية بين الناس، وتأسيس النشء على احترام التعددية الفكرية، والدينية، والمذهبية لكونها واقعاً إنسانياً لا مفر منه، حينها سينعم المجتمع، أي مجتمع، بمزيدٍ من الأمن والمحبة بين أفراده، أما دون ذلك، فستبقى أسباب الكراهية، والعنف موجودة، وسينتظر كثيرون الفرصة لإظهار ذلك.