آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 7:53 م

الجغرافيا والقانون

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

حتى الساعة هناك من يظن أنَّ الإنسان في منطقة جغرافية معينة يختلف عن مثيله الإنسان في منطقة أخرى، بحيث تتشكل مجموعة من القيم النبيلة عنده بسبب القابلية التي يتمتع بها نتيجة انتمائه لجهة ما في حين لا يتمتع بذات القابلية في مناطق أخرى، المثال الواضح يبدو صريحاً وقاسياً حينما يتهكم أحدهم بأنَّ الأمة الفلانية متخلفة وستبقى متخلفة والواقع يثبت أمر كهذا وأنهم يختلفون كثيراً عن بقية الأمم المتقدمة، الذي أجد أنَّ على الجميع إدراكه هو أنَّ الإنسان يختلف سلوكياً من مجتمع لآخر بناءً على الحدود والقوانين المفروضة، بحيث يتشابه الناس عادةً في المجتمعات التي تنعم بقانون موحد، فيما يتفاوتون كثيراً إذا ما ضعف القانون أو كان حبراً على ورق، ولو خرج شخص من بيئة تنعم بالقانون إلى بيئة لا يوجد فيها كل ذلك فلربما يتحول إلى النسخة البشرية المكررة لأبناء هذا المجتمع.

حينما يقود الغربي سيارته عادةً ملتزما بسرعة محددة ودون أن يؤذي الآخرين بالتجاوز من الخط الأصفر وكيل الشتائم لمن لا يسمح له بممارسة هوايته في جنونه وتهوره فلأنَّه ليس من «الغرب» وليس لأنَّ لونه أو عرقه أو طوله يختلف عن بقية خلق الله، ما يجعله كذلك هو الضوابط القانونية المفروضة والوسائل الكافية للكشف عن المخالفين ومعاقبتهم، هذا الأمر ينسحب على كل مرافق الحياة العامة، التنفيذي الذي يجد في القانون من الثغرات وعدم الرقابة ما يجعله يبني مدرسة أو مستشفى أو غيرهما بأسوأ مقاييس الجودة، ليس يفعل ذلك لأنَّه ينتمي أو لا ينتمي لدين وعرق وشكل معين، المسألة ببساطة هي لأنه يجد أنَّ هذا القانون لا يملك من القوة ما يمنعه من الإضرار بمصالح الآخرين وتحقيق مكاسب شخصية، لو أتينا بأفضل البشر وتركناهم دون ضوابط وقوانين تحكم تصرفاتهم فإنَّ الظلم والفساد سيكون سمة بارزة مهما كان تنوع هؤلاء الجغرافي وتعدد مشاربهم وألوانهم.

القانون هو أهم عامل في بناء الأُمم المتقدمة، ليس فقط بالمعنى الذي يجعل العزيز الظالم ضعيفاً أمامه، والضعيف المظلوم قوياً، بل الذي يتعدى ذلك لتفاصيل سلوكية وأخلاقية بسيطة، حينذاك لن نجد أستاذاً جامعياً يغرِّد بإعابة زملائه في الوطن وشتمهم على رؤوس الأشهاد، ولن نجد قوياً تسول له نفسه التهكم على الآخرين وإعابة أعراقهم وألوانهم، بل سيجد نفسه دائماً مكبلاً بالنظام.

الأمم المتقدمة نجحت في صناعة تقدمها حينما استطاعت أول الأمر صناعة قانون صارم يجعل سلوكيات مجتمعاتها منضبطة في كافة التفاصيل، قانون ينطلق من أنًَّ الجميع سواء مهما اختلفوا في التفاصيل، هذا النوع هو ما يجعل سلوكيات الناس منضبطة وراقية مهما كانت مناطقهم الجغرافية ومهما كانت ألوانهم وطوائفهم وحتى مستواهم العلمي والثقافي، في حين ينحدر هذا الإنسان بانحدار هذا القانون وضعفه إلى أن يصل المجتمع إلى ما يشبه مجتمع الغابة الذي يسود فيه الانفلات وتعدي الأطراف المختلفة على بعضها بعضاً.