آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 10:15 م

من أجل الإجماع الوطني

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

حين نتحدث عن مكون أصيل من مكونات مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فإننا لا ندعو إلى تكريس الفروقات المذهبية بين العرب والمسلمين، وإنما ندعو إلى إطلاق حالة من التعارف العميق بين مكونات الأمة وتعبيرات أوطانها..

والذي يؤكد هذه القناعة، هو أننا لا نتحدث عن الشيعة أو السنة أو أي مذهب إسلامي، بوصفه مجموعة من العقائد والخصوصيات، وإنما بوصفهم جماعة بشرية يشكلون حقيقة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية، يؤثرون في الواقع العام، كما يتأثرون به..

من خلال هذه الرؤية نحن نرصد حالة المسلمين اليوم بمختلف مدارسهم الفقهية انطلاقا من رؤيتين أساسيتين:

رؤية تتبنى خيار المزيد من إبراز الهوية المذهبية بكل تعبيراتها وشعائرها وطقوسها، حتى لو أثارت بعض هذه التعبيرات الهواجس والمخاوف لدى شريك الوطن أو الآخر المذهبي.. وبين رؤية أخرى يتبناها كاتب هذه السطور وهي أن المجتمعات العربية والإسلامية بكل مكوناتها المذهبية، لا تحتاج في هذه اللحظة إلى إبراز هوياتها المذهبية المتصارعة/المتحاربة والمتوجسة من بعضها البعض، بل هي بحاجة إلى بناء جسور الثقة بين مكوناتها، وإطلاق مبادرات للفهم والتفاهم والحوار والتواصل والتعايش بين جميع تعبيراتها وأطيافها..

وإن بناء الثقة يتطلب إبراز المشتركات وتنميتها، وصياغة السياسات والأولويات على هدى هذه الجوامع والمشتركات..

وإن الاستغراق في مسائل التباين المذهبي بين أهل الوطن الواحد، سيفضي إلى المزيد من التآكل الداخلي الذي لا يُربح إلا خصوم الأمة والعرب والمسلمين..

وفي سياق تظهير هذه القناعة المركزية، أود القول:

1 - إن المسلمين بكل مذاهبهم ومدارسهم الفقهية، هم كل مجتمعاتنا الإسلامية التي يتشكل منها مفهوم الأمة الإسلامية، وإن مستقبلهم، ليس منفصلا عن مستقبل الأمة الإسلامية.

وإن طبيعة الظروف والتحديات التي تواجه المجتمعات الإسلامية سواء الداخلية أو الخارجية، تتطلب بناء رؤية وصياغة إستراتيجية تمكن هذه المجتمعات بكل نخبها ومؤسساتها العامة من مواجهة هذه التحديات..

2 - إن المستقبل السياسي والثقافي والاجتماعي للمسلمين جميعا، مرهون بقدرة المجتمعات الإسلامية بكل أطيافها من تطوير علاقتها الداخلية بين مختلف تعبيراتها ومؤسساتها الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية.. لأن الكثير من الجهود والطاقات تصرف في صراعات وتباينات أقل ما يقال عنها إنها لا تخدم راهن هذه المجتمعات ومستقبلها، وإنما تضره وتدفعه نحو خيارات تصرف هذه المجتمعات بكل قواها ومؤسساتها عن القضايا الكبرى والأهداف العليا لهذه المجتمعات والأمة جمعاء..

3 - في كل حقب ومراحل تطور وتقدم هذه المجتمعات، هي بحاجة إلى مؤسسات للرعاية والحماية الاجتماعية، التي تحتضن الحلقات الضعيفة في المجتمع، وتوفر مؤسسات جادة للتنشئة والتربية والتدريب، وبناء الأطر الاجتماعية والخيرية والتطوعية التي تستوعب طاقات الشباب وتوفر الخدمة على مستويات مهنية راقية لكل المحتاجين والمعوزين.. فالمجتمعات لا تصمد في معاركها وتحدياتها المختلفة فترة زمنية طويلة، بدون مؤسسات الرعاية والحماية..

وفي هذا السياق ندعو المؤسسات المرجعية والأطر الدينية والاجتماعية المختلفة، للاهتمام الجدي بهذه المسألة، ودعم وتشجيع الجهات والفعاليات الصالحة في المجتمع للقيام بهذه المهمة الحيوية والمهمة في كل مجتمعاتنا ومناطقنا..

فمعركة مجتمعاتنا ليست معركة سياسية أو ثقافية فحسب، وإنما هي أيضا معركة اجتماعية لمحاربة الفقر برعاية مؤسسة للفقراء والتخطيط المستمر والدائم لإنهاء كل موجباته «الفقر» من مجتمعاتنا.. كما أننا بحاجة لأن نقدم حلولا عملية لمواجهة كل الصعوبات المعيشية والحياتية التي تواجه مجتمعاتنا وبالخصوص الفئات والشرائح الضعيفة فيها.. ودائما تبقى قوتنا في التزامنا الأخلاقي والقيمي.

4 - من الضروري أن ندرك أن إنهاء أزمات وجودنا، مرهون بقدرة مجتمعاتنا العربية والإسلامية على التحرر من ربقة التعصب والتشدد الديني، وتعزيز التفاهم والتوافق بين المواطنين وقيام دولة المواطنين التي لا تفرق لاعتبارات دينية أو مذهبية أو عرقية بين مواطن وآخر..

فخلاصنا في كل مجتمعاتنا من مشكلاتنا السياسية والأمنية والاقتصادية، يعتمد على قدرتنا مع شركائنا في الوطن، على بناء التوافق الوطني بعيدا عن التشدد الذي يفرق بين الناس ولا يوحدهم.

ولا يمكن في أي مجتمع إنساني، أن تزداد وتيرة التفاهم والتلاقي بين أبنائه وشرائحه وتعبيراته، بدون الوقوف معا ضد كل أشكال التطرف والغلو الديني.. لأن هذا التطرف والغلو ومتوالياتهما، يساهمان في تصحير الحياة الاجتماعية والمدنية وإبراز الاختلافات بين الآحاد والمجموعات البشرية بطريقة متوحشة وكأنها تقود الجميع إلى محاربة الجميع..

من هنا فإن مجتمعاتنا اليوم بأمس الحاجة إلى تطوير وتعزيز سبل التوافق الاجتماعي الذي يعزز فرص النجاح وينهي كل موجبات الافتراق والنزاع في الفضاء الاجتماعي..

لأن المجتمع الذي يعيش بدون توافق عميق بين أجزائه وشرائحه، سيعاني الكثير من الصعوبات والأزمات.. وفي ظل التحديات الراهنة التي تشهدها المنطقة بأسرها وعلى كل المستويات، تعالوا جميعا نبني توافقنا الوطني بعيدا عن الغلو الديني والتطرف بكل مستوياته.. لأنه بالتوافق الوطني العميق، نتمكن من مواجهة كل التحديات، ونمتلك القدرة الفعلية على الانتصار على جميع الخصوم مهما كانت قدراتهم وإمكاناتهم..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».