آخر تحديث: 17 / 7 / 2026م - 11:01 م

الرؤيا في المنظور الإسلامي

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

على المستوى التاريخي لا يعرف أحد متى انتبه الإنسان لأهمية الأحلام في نومه، وكونها رسائل تكشف إما عما يختلج في داخله من رغبات واحتياجات جدية وعقلية، مادية ومعنوية، أو رسائل غيبية ذات محتوى أو مضمون تحذيري من شيء سيفعله أو سيقع له أو تبشره بخير سيحصل له أو تكشف له عن عالم لا يعرفه.

ولكن الأكيد أن الإنسان اكتشف مبكرا عالم الأحلام وبدأ يبحث عن تفسير ما يراه في نومه.

وفي تاريخ الأنبياء نجد أن عددا من الأنبياء كان وحيهم عن طريق الرؤيا الصادقة، وأشار القرآن الكريم إلى ذلك في قصة نبي الله إبراهيم مع ابنه إذا قال تعالى «فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتلّه للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين».

وقصة رؤيا يوسف وكيف أن أباه حذره ونهاه من قصها على إخوته فيكيدون له، لأنه علم بصدقها، وقد تحققت فعلا بعد ذلك بسنين، وكذلك قدرة النبي يوسف على تعبير الرؤيا وقد وصف السجينان يوسف بأنه من المحسنين «ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين»..

وعلى ضوء ما ذكر أعلاه نستطيع القول: إن الرؤيا في المنظور الإسلامي حقيقية ولها علاقة بعالم الروح وعلاقة الإنسان بالعالم الآخر.

وتنقل كتب الحديث أن الصحابي عبادة بن الصامت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى «الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة».. «يونس 63 64»؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد غيرك هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له»..

فالإسلام يربط عالم الرؤيا بعالم الغيب وتأثيره على عالم الشهود..

أما النظريات العلمية فهي لا تؤمن بالرؤيا كحقيقة لها علاقة بعالم الروح والغيب وإنما فسرت وفق هذه النظريات بمكبوتات أو عوارض نفسية ذات أسباب عضوية تمر عبر الدماغ استجابة لما يتعرض له الجسد داخليا أو بتأثير خارجي فيترجم الدماغ ذلك على شكل أحداث ووقائع لا حقيقية لها..

ويقول الخبير الغربي ”لوك وتنهوف“ في معجم الأحلام ”إننا نحلم بالقيام بالأمور التي لا يسعنا لأسباب مختلفة القيام بها في ساعات يقظتنا، لذلك فنحن إنما نحاول أن نحقق في نومنا رغبات لا يمكن تحقيقها نهارا“..

والسؤال الذي لا يمكن أن يثيره هذا القول هو: إذا كانت الأحلام هي فقط هذا القسم الذي يكشف عن مخاوفنا ورغباتنا المكبوتة، فأين نضع الأقسام الأخرى من الأحلام أو الرؤيا التي تتحدث عن المستقبل؟ بماذا نفسر رؤية الأموات والتحاور معهم، بماذا نفسر الرؤية يراها الإنسان لغيره، لأخيه، لصديقه؟

أسئلة كثيرة لا جواب لها دون اعتبار لعالمي الروح والغيب.

وسواء اقتربت هذه التفسيرات من الصحة والواقع أو ابتعدت عنه فإن الإشكال يكمن في صعوبة فهم طبيعة الروح وحركتها وامتدادها وعلاقتها بالجسم أثناء النوم..

وعلماء التعبير دائما يؤكدون بأن الرؤيا يراها الانسان بالروح ويفهمها بالعقل. ويمكن أن نلخص الرؤية الإسلامية حول الرؤيا في النقاط التالية:

1 الرؤيا من طرف الوحي، فقد كانت نبوة عدد من الأنبياء عن طريق الرؤيا الصادقة.

2 إنها وسيلة خلقها الله سبحانه وتعالى للإنسان تمكنه من الانفتاح على عالم الغيب، حيث تتجاوز الروح وسائلها المادية المحدودة فتمتد أثناء النوم وتتمكن من الذهاب بعيدا في الآفاق المادية والروحية.

3 مدخل للإيمان بالغيب والعالم الآخر وقد شبهت الأحاديث النوم بالموت والنشور بالاستيقاظ، وأثناء النوم قد يرى الانسان العوالم غير المادية التي تحدثت عنها الرسالات السماوية.

4 إنها استمرار للعلاقة بين عالميْ الغيب والشهادة.

5 وسيلة إخبار وإرشاد وتنبيه لما عليه الإنسان أو ما اقترفه من خير أو شر، أو ما سيقدم عليه، وإخبار بحوادث المستقبل، كما وقع لملك مصر الذي رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف فأولها النبي يوسف بسنوات قحط مقبلة، واقترح عليهم خطة تجنبهم المجاعة.

وعلى ضوء هذه الرؤية الإسلامية لظاهرة الرؤيا، فقد اهتم علماء الأمة بهذه المسألة، وألفوا الكتب حول جوانبها المختلفة، فقد ألف الحسن بن الحسين الخلال كتاب ”طبقات المعبرين“ وذكر فيه أسماء «7500» معبر.

ومن الأوائل ممن كتب في هذا العلم محمد بن سيرين صاحب التفسير المنسوب إليه، وقد ذكر النابلي صاحب كتاب دار السلام مجموعة من الكتب في تعبير الرؤيا كانت موجودة ومتداولة في عهده «أي القرن العاشر والحادي عشر الهجريين» ومنها استقى مادة كتابه «تعطير الأنام في تعبير المنام»، ومن هذه الكتب: كتاب القادري لنصر بن أبي يعقوب إبراهيم الدينوري، وكتاب «الحكم والغايات في تعبير المنامات» لابن الدقاق المقري، وكتاب «المنتخب» للشيخ أبي الحسين بن إبراهيم الخليلي، وكتاب «الإشارة في علم العبارة» للشيخ أبي عبدالله محمد بن عمر، و«الإشارات في علم العبارات للعلامة ابن شاهين الظاهري» وغيرهم؛ فالرؤيا مختلفة مضمونا وشكلا عن الأحلام، والخلط بينهما، يؤدي إلى التباس في رؤية الإسلام الحقيقية.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».