حزب العدالة والتنمية ومخاطر الزعيم الأوحد
من المؤكد أن حزب العدالة والتنمية التركي، يعد إضافةٍ نوعية للمشهد السياسي والاقتصادي التركي.. وإن وصول هذا الحزب إلى الحكومة يعد انتصاراً مهماً له، ولم يخيب هذا الحزب الجمهور التركي الذي صوت له، ولكن ثمة عوامل وأسباب عديدة، تعتبر من عوامل ضعف هذه التجربة، وإن هذه العوامل تساهم في تقليل فرص هذا الحزب في إدارة تركيا لفترة زمنية طويلة..
ولعل من أهم عوامل الضعف في هذه التجربة الحزبية والسياسية هو سيطرة السيد أردوغان على كل مقاليد الأمور في هذه التجربة، وضيق صدره بالمختلفين معه، سواء أكانوا في إدارة حزب العدالة والتنمية أم وزراء أساسيين في الحكومة التركية، ما يساهم في إضعاف هذه التجربة وتآكلها الداخلي..
فالسيد أردوغان بدأ بإخراج كل كفاءة بشرية تختلف معه سواء في السياسات أو الأولويات.. فرئيس الجمهورية السابق السيد عبدالله غل ولأسباب تتعلق بخلافه مع السيد أردوغان تم إخراجه من المشهد السياسي والحزبي.. وبوادر خلاف السيد أردوغان مع السيد داوود أوغلو رئيس الوزراء التركي ستنتهي وفق كل الاحتمالات إلى تهميش السيد رئيس الوزراء كمقدمة لإنهاء خدماته في الحكومة والحزب.. وهذا يعد تضعيفاً للتجربة السياسية والحزبية وتقصيراً لمدة هيمنة حزب العدالة والتنمية على المشهد السياسي التركي.. ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول إن نزعة الزعيم السياسي الأوحد والسيطرة الشاملة على مقدرات الأمور من قبل شخص واحد مهما أوتي من قوة وقدرات، تعد من أهم المشكلات السياسية والحزبية التي تساهم في حرق الكثير من عناصر القوة والحيوية في كل التجارب السياسية.. والمحب للتجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية عليه أن يدرك أن تشجيع الأتراك على نهج مسك كل عناصر القوة بيد شخص واحد من الخطايا التي تقلل من عمر الكثير من التجارب السياسية والحزبية في العالمين العربي والإسلامي..
صحيح أن السيد أردوغان يمتلك كل إمكانات الزعامة السياسية، ولكن ليس من المصلحة الراهنة والمستقبلية هيمنته على كل شيء في الحياة السياسية والحزبية.. وإن حزب العدالة والتنمية يمتلك الكثير من الوجوه والقدرات السياسية والإدارية القادرة على تسيير الشؤون السياسية والحزبية، ولكن ضيق صدر السيد أردوغان بالمختلف يجعل في الأخير كل المقربين منه هم من ذوي الولاء وليسوا من ذوي الكفاءة، ما يقلل من فرص التميز لهذه التجربة السياسية..
وحزب العدالة والتنمية مع احترامنا التام لتجربته السياسية، إلا أنه على المستوى الواقعي ليس صانعاً للدولة التركية والديمقراطية في تركيا.. وإن أغلب المنجزات التأسيسية التي سمحت لحزب العدالة والتنمية من الوصول إلى الحكم، ليست من صناعته، وإنما الأحزاب السياسية الأولى في جمهورية تركيا هي التي صنعتها، ويعود الفضل السياسي لها.. فحزب العدالة والتنمية ليس صانعاً للديمقراطية والتداول السياسي في تركيا، وإنما مؤسسو التجربة الجمهورية في تركيا، هم الذين صنعوا الديمقراطية والعلمانية في تركيا..
فحزب العدالة والتنمية ليس صانعاً للتجربة، وإنما هو أحد الأطراف السياسية المستفيدة من هذه التجربة.. صحيح أن هذا الحزب قدم إنجازات ومكاسب سياسية واقتصادية كبرى لجمهورية تركيا، إلا أن هذا الحزب هو أكبر المستفيدين من النموذج التركي التأسيسي.. لهذا فإننا نرى أن كل النزعات الأحادية في التجربة الحزبية التركية، تعد من نقاط الضعف الكبرى التي تساهم في عدم نجاح هذه التجارب السياسية والحزبية..
صحيح أن السيد أردوغان يمتلك كل شروط الزعامة السياسية، إلا أن عقلية الاستحواذ والهيمنة التامة على السلطات، لا تنسجم والعقلية الديمقراطية التي يتحدث حزب العدالة والتنمية باسمها، ولا يليق لأي مشهد سياسي - ديمقراطي أن يسيطر الفرد مهما أوتي من إمكانات وقدرات على المشهد كله..
ولعل من أهم المخاطر التي تواجه حزب العدالة والتنمية، هو أن يصر القائد التاريخي لهذه التجربة وهو السيد أردوغان على تطبيق أجندته السياسية بمعزل عن حالة الشراكة من كفاءات ووزراء حزب العدالة والتنمية.. وإعلان السيد رئيس الوزراء الاستقالة يؤكد هذه المعضلة، مع أن بيان السيد داوود أوغلو الذي أعلن فيه الاستقالة حاول أن يغطي أسباب الخلاف السياسي بمقولات دبلوماسية عامة.. والأحزاب السياسية القوية، هي التي تحظى بمجموعة قيادية متكاملة وقوية في آن واحد.. والعمل على ضرب الشخصيات القوية في حزب العدالة والتنمية لصالح الزعيم التاريخي، لا يعد من الخطوات الإيجابية. وتكرار هذه التجربة مع الرئيس عبدالله غل ورئيس الوزراء داود أوغلو يؤكد أن هذه التجربة بكل كارزمياتها وعناصر قوتها وحيويتها الإدارية بدأت تقع في ذات الأخطاء التي تقع فيها الأحزاب التي لا تتحمّل إلا شخصية قوية واحدة.. وإن طرد أو إقصاء القيادات الأخرى التي تحمل رؤية مختلفة يعد إفقاراً حقيقياً لهذه التجربة السياسية الرائدة.. لهذا فإننا نعتقد أن هذه المسألة، تعتبر نقاطا سوداء في هذه التجربة السياسية التي حققت الشيء الكثير لجمهورية تركيا.. وبحكم الموقع السياسي الذي يتبوأه حزب العدالة والتنمية، فإن أي خلاف في وسطه، سينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد التركي.. لذلك ومنذ إعلان السيد داود أوغلو استقالته من رئاسة الوزراء تم تراجع ضخم في الليرة التركية..
نقول كل الكلام أعلاه لنجاح هذه التجربة السياسية، ولأهمية استمرار نجاح هذه التجربة.. لأن هذه التجربة ستنعكس فكرياً وأيدلوجياً على كل الجماعات الإسلامية العربية..
ومن المؤكد أن استمرار نجاح هذه الجماعات تنموياً وديمقراطياً، يعد من المكاسب المهمة لكل دول العالم الإسلامي.. وفق هذا المنظور نحن نقرأ التجربة التركية، ونتطلع إلى اكتمال عناصرها وخلوها من العيوب النوعية..













